أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٢ - ثانيها جواز رجوع الغير إليه
الاولى: ما إذا اجتهد و استقرّ رأيه على شيء.
الثانية: ما إذا لم يجتهد، أو اجتهد و لكن لم يستقرّ رأيه بعد على شيء.
أمّا الصورة الاولى:
فلا ريب في وجوب تقليده لنفسه و العمل برأيه، و حرمة تقليده لغيره، لأنّه لا إشكال في كونه مخاطباً لأدلّة الاصول العمليّة و الأمارات الشرعيّة، مثل دليل «إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا»، و لازمه أنّه إذا اجتهد و استنبط مثلًا تنجّس الماء القليل تمّت الحجّة عليه في خصوص هذه المسألة من دون الحاجة إلى الإذن من مجتهد مطلق.
أمّا الصورة الثانية:
ففي جواز العمل برأيه فيها خلاف، ذهب صاحب المناهل إلى عدمه، و مقتضى اطلاق كلام الشيخ الأعظم (رحمه الله) في رسالته في الاجتهاد و التقليد هو الجواز، بل حرمة التقليد عن الغير، و تفصيل البحث في ذلك في محلّه.
ثانيها: جواز رجوع الغير إليه
و التحقيق فيه أن يقال: إنّه تارةً: يمكن له أن يجتهد في شيء معتدّ به من الأحكام، بحيث يصدق عليه عنوان «من عرف حلالنا و حرامنا» أو «شيئاً من قضايانا» أو عنوان «أهل الذكر» و «من كان من الفقهاء»، كما إذا حصلت له ملكة الاجتهاد في أبواب المعاملات مثلًا، فلا ريب حينئذٍ في جواز تقليد الغير له، و الشاهد عليه بناء العقلاء على العمل برأي الطبيب المتجزّي المتخصّص في فنّه، بل على ترجيحه على غيره، لكونه أعلم من غيره في هذه الناحية.
و اخرى: يمكن له أن يجتهد مسائل طفيفة قليلة، ففي هذه الصورة لا تصدق عليه العناوين المزبورة، أي لا تشمله الأدلّة النقليّة الواردة في باب التقليد، نعم لا إشكال في جريان سيرة العقلاء و بنائهم على تقليده، كما لا إشكال في عدم ثبوت الردع عنه بتلك الأدلّة النقلية، لأنّها ساكتة عنه، و نتيجته جواز تقليده في هذه الصورة أيضاً إذا كان واجداً لسائر شرائط التقليد.