أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٠ - المقام الثاني فى مباحث التقليد
هذه الامور الثلاثة يعبّر عن حقيقة التقليد، فهل هى الالتزام القلبي بفتوى المجتهد سواء أخذ بها أم لم يأخذ، و سواء عمل بها أم لم يعمل، أو أنّه الالتزام مع الأخذ بقصد العمل سواء عمل أم لم يعمل، أو أنّه الالتزام مع الأخذ و العمل؟
و للمحقّق الخراساني (رحمه الله) تعريف خامس، و هو: الأخذ بقول الغير بغير دليل، فأضاف إليه قيد «بغير دليل»، و لا ريب في أنّ مراده من الدليل إنّما هو الدليل التفصيلي، و إلّا يكون للمقلّد دليل في تقليده إجمالًا بلا إشكال.
و في العروة الوثقى للمحقّق اليزدي؛ تعريف سادس و هو: الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن، فإنّه قال في المسألة ٨: «التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و إن لم يعمل بعد، بل و لو لم يأخذ فتواه فإذا أخذ رسالته و التزم بما فيها كفى في تحقّق التقليد».
و قد وافقه جماعة من المحشّين، و خالفه جماعة اخرى منهم و قالوا: «التقليد هو الأخذ بفتوى المجتهد للعمل».
و التعريف السابع ما هو المختار، و هو: الاستناد إلى رأي المجتهد في مقام العمل. فإنّ الإنصاف أنّ التقليد إنّما هو العمل استناداً إلى قول المجتهد أو أنّه الاستناد في مقام العمل، و الدليل عليه:
أوّلًا: أنّه هو المناسب للمعنى اللغوي حيث إنّه عبارة عن جعل القلادة في العنق، و لا ريب في أنّ قلادة التقليد تعلّق على عنق المجتهد بعد أن عمل المقلّد بفتاويه استناداً إليها.
ثانياً: ما سيأتي في مسألة جواز التقليد و عدمه ممّا استند إليه لعدم الجواز من الآيات الناهية عن العمل بغير علم، حيث إنّ لازمه كون التقليد هو العمل بغير العلم، و لم يردّ عليه (لا من جانب المستدلّين بها لعدم جواز التقلّد و لا من جانب المجيبين عنهم) بأنّ هذه الآيات لا ربط لها بمسألة التقليد لأنّه ليس من مقولة العمل، فكأنّ الطرفين توافقا على كونه من قبيل العمل.
و ثالثاً: أنّ المقصود من التقليد و الأثر الشرعي المترتّب عليه إنّما هو صحّة العمل و هى لا تحصل بدون العمل.
و بعبارة اخرى: كما أنّ الآثار الشرعيّة التي تترتّب على التقليد عبارة عن الآثار في مقام العمل فليكن معناه أيضاً كذلك، أي لا بدّ من إدخال العمل في معناه.