أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٣ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
قلنا: إنّ أدلّة التقليد تشملها و يكون الرجوع فيها من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم من باب أنّه ليس لها متخصّص و خبير غير الفقيه، نعم لو كانت هناك موضوعات يكون لها في العرف خبراء معروفون يجب الرجوع إليهم دون الفقيه.
و من الأمثلة التي يمكن أن تذكر في هذا المجال عنوان النظر المحرّم إلى الأجنبيّة فإنّه أيضاً من الموضوعات المشكلة من باب أنّ لها مصاديق معقّدة مبهمة، فهل يصدق على النظر إلى تصوير الأجنبي في المرآة مثلًا أو الماء الصافي أو في تلفزيون عنوان النظر إلى الأجنبية أو لا؟
هذا من ناحية، و من ناحية اخرى نعلم أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها متابعة الظلّ لذي الظلّ و قد يتبدّل الموضوع بتبدّل الزمان أو المكان، فترى الماء في المفازة و الصحاري مالية فيجوز بيعه فيها، بينما لا يكون له مالية على الشاطئ، فيبطل بيعه (هذا من قبيل دخل المكان في الموضوع) و ترى الشيخ (رحمه الله) يجوّز بيع الثلج في الصيف دون الشتاء لكونه مالًا في الأوّل دون الثاني (و هذا من قبيل دخل الزمان في الموضوع).
و من أمثلتها الواضحة في يومنا هذا الدم الذي كان بيعه و شراؤه حراماً في الأزمنة السابقة باعتبار عدم وجود منفعة محلّلة معتدّ بها له. و لكن الآن لا إشكال في جواز بيعه و شرائه لما له من منافع محلّلة مقصودة، حيث لا تنحصر منافعه في الأكل المحرّم أو الصبغ الذي يعدّ من المنافع النادرة، فإنّ الدم في يومنا هذا عنصر حياتي يمكن به إنقاذ نفس إنسان من التهلكة، و لذا تكون له ماليّة عظيمة محلّلة معتدّ بها لنجاة المصدومين و الجرحى و كثير من المرضى، لا سيّما في العمليات الجراحيّة فلِما لا يجوز بيعه في زماننا و الحال هذا؟ و كذا بيع الكُلْية و شراؤها لنجاة بعض المرضى الذين فسدت كليَتهم، مع أنّها بعد فصلها عن صاحبها تكون بحكم الميتة، و لا سيّما أنّها من غير المأكول، فلم يكن بيعها في الأزمنة السابقة جائزاً لعدم منفعة محلّلة لها، و لكن الآن جاز بيعها في زماننا هذا لتغيّر الموضوع و تبدّله، و لذا يشترونها بالأثمان الغالية جدّاً (نعم قد يقال: إنّها و إن جاز بيعها من هذه الناحية أي كونها ذات منفعة محلّلة مقصودة، و لكن لا يجوز بيعها من باب حرمة بيع الميتة من كلّ شيء و إن كان لها منفعة مقصودة، للنصوص الخاصّة الواردة فيها، فالواجب حينئذٍ عدم جواز أخذ الثمن في مقابل نفسها بل في مقابل إجازة التصرّف في بدن صاحب الكِلوة فتأمّل جيّداً).
و من أمثلتها في عصرنا ما قد يقال في مسألة تقليل المواليد و أنّها كانت مرجوحة في