أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨٣ - قاعدة الميسور
به، و مثل الغسل إذا لم يجد الماء لتمام الغسل فلا يجوز أن يكتفي بغسل بعض الأعضاء، استناداً إلى هذه القاعدة، و هكذا الوضوء فيما إذا لم يجد الماء إلّا لغسل بعض الأعضاء، و باب الحجّ إذا لم يقدر على بعض الوقوفات أو بعض الطواف، إلى غير ذلك من أشباهها، فلو اكتفينا بجميع ذلك للزم منها فقه جديد لا يلزم به أحد.
إن قلت: ما الوجه في كون المعيار في العمل بهذه القاعدة هو عمل الأصحاب مع أنّها عامّة؟
قلنا: الوجه في ذلك أنّ الأخذ بظاهر القاعدة و بعمومها يستلزم تخصيص الأكثر و هو مستهجن، فيستكشف منه أنّه كان للقاعدة معنى آخر لوجود قرائن خاصّة محفوفة بها لم تصل إلينا، و حينئذٍ لا بدّ من الاكتفاء بتطبيقات أصحابنا الأقدمين (رضوان اللَّه عليهم)، وعليه يكون مصير قاعدة الميسور مصير قاعدة لا ضرر في قلّة فائدتها و سقوط عمومها عن الحجّية إلّا فيما عمل به الأصحاب (للزوم هذا المحذور بعينه فيها أيضاً بناءً على العمل بعمومها، و ذلك لخروج مثل باب الحجّ و الزكاة و الجهاد و أبواب الحدود و غيرها من الواجبات المشتملة على الضرر).
أقول: الإنصاف أنّه من المستبعد جدّاً وجود قرائن خاصّة محفوفة بخبر الميسور (و كذلك خبر لا ضرر) لم تصل إلينا، و الذي أوجب اختيار مثل صاحب الجواهر (رحمه الله) هذه الفرضيّة أنّه لم يتمكّنوا من حلّ مشكلة التخصيص بالأكثر، و لكن الصحيح عدم لزوم هذه المشكلة لا في باب قاعدة لا ضرر و لا في المقام.
أمّا في الأوّل فلعدم كون ما يتوهّم شموله على الضرر ضررياً فإنّ مثل الزكاة و الجهاد ممّا يتوقّف عليه حفظ نظام المجتمع، و مصلحة العامّة من الأمن و الأمان، و إيجاد الطرق و تهيئة رجال الأمن و الجنود، و الحجّ عزّ للإسلام يوجب شوكة المسلمين، و هكذا غيرها من الواجبات التي مصالحها و منافعها أكثر من المصارف المالية و الجهود البدنية، فيحكم العقل قطعاً بعد كسر و انكسار بعدم كونها ضرريّة، و لذا قد نشاهد نظائرها بين العقلاء من أهل العرف، كأخذ الضرائب و المكوس لحفظ نظام المجتمع.
و أمّا قاعدة الميسور فلما مرّ من أنّها لا تدلّ على أكثر ممّا هو ثابت بين العقلاء، و ناظرة إلى إمضاء القاعدة الموجودة عندهم فيما ثبت فيه تعدّد المطلوب و الملاك، فإنّهم يتمسّكون بها فيما إذا ثبت من الخارج أنّ العمل الفلاني اشتمل على ملاكات مختلفة بين ناقص و تامّ، بعد تعذّر