أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٣ - المقام الثاني في شرائط جريان سائر الاصول
عن طريق الاجتهاد أو التقليد، و الإطاعة العلميّة الإجماليّة، و الإطاعة الظنّية الإجماليّة، و العقل حاكم على لزوم رعاية هذه المراتب، فمع إمكان المرتبة العالية من الإطاعة لا يجوز التنزّل إلى المرتبة الدانية، و غير خفيّ أنّ العمل بالاحتياط مع القدرة على الاجتهاد أو التقليد تنزّل من الإطاعة التفصيليّة إلى الإطاعة الإجماليّة.
أقول: الإنصاف أنّ هذا ادّعاء محض، و دعوى بلا دليل، لأنّ المقصود من الإطاعة هو إتيان المأمور به جامعاً للشرائط، و هو حاصل بالاحتياط و لو بتكرار العمل أيضاً، و لما عرفت من عدم اعتبار قصد الوجه و الجزم في النيّة، و عدم المنافاة بينه و بين قصد القربة.
نعم لا يخفى أنّ العمل بالاحتياط ليس شيئاً مقدوراً لكلّ أحد بل لا بدّ فيه من تشخيص مواضعه و كيفيّة أدائه، فيجب أن يكون المحتاط إمّا من أهل العلم و الاطّلاع، أو يسأل منهم، فالطريق الوحيد لغالب الناس هو العمل بالتقليد على فرض عدم الاجتهاد.
هذا كلّه في المقام الأوّل (أي شرائط العمل بأصالة الاحتياط).
المقام الثاني: في شرائط جريان سائر الاصول
فالكلام فيه يقع في موردين:
المورد الأوّل: في شرائط الإجراء بالنسبة إلى الشبهة الحكميّة.
المورد الثاني: في شرائط الإجراء بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة.
أمّا المورد الأوّل: فبالنسبة إلى أصالة البراءة نقول:
يشترط في جريان البراءة العقليّة التفحّص عن مظانّ أحكام المولى ثمّ إجرائها بعد اليأس عن الضفر بها، لأنّها عبارة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و المراد من البيان إنّما هو البيان في مظانّ أداء المقصود الذي به يتحقّق الوصول، حيث إنّه لا يشترط فيه الإبلاغ إلى كلّ أحد، فهو في مثل المعاهد و المنظّمات يتحقّق بنصب الأمر الإداري على لوحة الإعلانات أو إيراده في جريدة رسميّة، و لا يجوز جريان البراءة إلّا بعد الفحص عن تلك اللوحة و هذه الجريدة، و بعبارة اخرى: للمولى وظيفة و للعبد وظيفة اخرى، فوظيفة المولى إنّما هو بيان تكليفه و إبلاغه بنحو متعارف، و وظيفة العبد هو الفحص عن بيان المولى في مظانّه المعلومة.
هذا في البراءة العقليّة، و كذلك فيما إذا قلنا بالبراءة العقلائيّة (كما هو المختار) لأنّ العقلاء أيضاً لا يجرون البراءة و لا يحكمون ببراءة ذمّة العبد إلّا بعد فحصه عن مظانّ البيان.
أمّا البراءة الشرعيّة: فحيث إنّ أدلّتها لفظيّة (كحديث الرفع) و هى بظاهرها مطلقة،