أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٤ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
مفادها نفي وجود هذه الامور، و يشهد عليه أيضاً جواز تبديل «لا» في تمام هذه التراكيب ب «ليس» التي لا إشكال في أنّها لخصوص النفي، فيقال بدل قوله: «فَلا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» «ليس في الحجّ رفث و لا فسوق و لا جدال».
هذا، مضافاً إلى أنّه لا يمكن إرادة النهي في بعض هذه التراكيب بوجه من الوجوه، فلا يصحّ أن يقال: (مثلًا) أنّ معنى قوله ٦: «لا اخصاء في الإسلام» «لا تخصوا في الإسلام» لعدم إمكان أن يكون الإسلام ظرفاً للاخصاء.
نعم لازمه النهي عنها، فيكون النفي في هذه التراكيب كناية عن النهي، و هذا هو الأمر الثاني الذي التفت إليه أخيراً، و إلى هذا يرجع ما استدلّ به من كلمات أرباب اللغة فإنّهم فسّروها بلازم المعنى كما هو دأبهم في سائر المقامات.
هذا كلّه هو الأمر الأوّل، و قد ظهر منه أنّ كلمة «لا» في الحديث نافية.
و أمّا الأمر الثاني: و هو أنّ فاعل الضرر في هذا الحديث هل هو الناس بعضهم ببعض، أو اللَّه سبحانه و تعالى؟ (بل العمدة في فهم معنى الحديث هو توضيح هذا المعنى لا كون «لا» نافية أو ناهية كما ستعرف إن شاء اللَّه) فنقول: إن كان الفاعل هو اللَّه سبحانه، فمعنى الحديث أنّ اللَّه تعالى لا يجعل حكماً ضررياً، وضعيّاً كان أو تكليفيّاً، و إن كان الفاعل هو الناس فمعناه أنّ اللَّه تبارك و تعالى لا يجيز الناس أن يضرّ بعضهم ببعض، و لنا شواهد عديدة على الثاني:
منها: أنّه لا إشكال في أنّ فاعل «ضرار» هو الناس بناءً على وجود الفرق بينه و بين معنى الضرر كما هو مقتضى ما مرّ من الشواهد الروائيّة و الكتابيّة و اللغويّة، و حينئذٍ وحدة السياق تقتضي أن يكون فاعل الضرر أيضاً هو الناس.
و منها: قوله ٦ في قضيّة سمرة «ما أراك إلّا مضارّاً» فإذا كان الفاعل في الصغرى هو المكلّف نفسه فليكن في الكبرى أيضاً كذلك.
و منها: التراكيب المشابهة الواردة في الكتاب و السنّة، كقوله ٦: «لا غشّ بين المسلمين» و قوله: «لا هجر بين المسلمين» و قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» و قوله ٦: «لا سبق إلّا في ثلاث» و قوله: «لا اخصاء في الإسلام، و قوله: «لا بيع إلّا في ملك» و «لا يمين في معصية اللَّه» و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» و «لا طلاق إلّا في طوع» و غيرها من التراكيب التي لا إشكال في أنّ الفاعل فيها هو المكلّفون.