أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٣ - الأمر السابع تبدّل رأي المجتهد
يبعد قبولها في الجملة- أيضاً مؤيّدتان لما ذكرنا من الدليل.
ثمّ إنّ هاهنا بيانين آخرين لا يمكن الالتزام بهما إلّا إذا رجعا إلى البيان المزبور:
أحدهما: أنّ الاجتهاد اللاحق كالاجتهاد السابق، و لا دليل على ترجيحه عليه حتّى يبطله. و هذا بحسب ظاهره باطل قطعاً، لأنّ المفروض أنّ المجتهد يرى الاجتهاد السابق في الآن باطلًا و لو ظنّاً، و يكون هذا الزمان زمان حكومة الاجتهاد الثاني، فكأنّه ظفر لمصدر الاجتهاد السابق معارضاً لم يظفر به سابقاً.
إلّا أن يرجع إلى أنّ دليل حجّية الاجتهاد اللاحق لا يعمّ الأعمال السابقة و هو نفس ما ذكرناه.
ثانيهما: ما ذكره في «التنقيح» من دون أن يقبله، و حاصله: أنّ الاجتهاد الأوّل كان حجّة في ظرفه، و الاجتهاد الثاني حجّة من زمن تحقّقه، و لا يعمّ السابق، فكلّ حجّة في ظرفه الخاصّ به.
و بعبارة اخرى: المفروض في المقام هو ما إذا كان انكشاف الخلاف بقيام حجّة معتبرة على الخلاف، فلا علم وجداني بكون الاجتهاد السابق على خلاف الواقع، و حينئذٍ كما يحتمل أن يكون الاجتهاد الثاني مطابقاً للواقع، يحتمل أيضاً أن يكون الاجتهاد الأوّل كذلك، فهما متساويان من هذه الجهة لأنّ الاجتهاد اللاحق لا يكشف عن عدم حجّية الاجتهاد السابق في ظرفه، لأنّ انكشاف الخلاف في الحجّية أمر غير معقول، بمعنى أنّ السابق يسقط عن الحجّية في ظرف الاجتهاد الثاني مع بقائه على حجّيته في ظرفه [١].
و هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه بظاهره، لأنّ الاجتهاد الثاني و إن كان زمان حجّيته حين وصوله، و لكنّه يمكن أن يكون عاماً من حيث المحتوى و المؤدّى فيشمل الأعمال السابقة أيضاً.
فمثلًا إذا ظفر المجتهد برواية تدلّ على وجوب صلاة الجمعة فإنّها و إن صارت حجّة من زمن وصولها و لكن مضمونها و محتواها يدلّ على وجوب صلاة الجمعة من زمن الرسول ٦ إلى يوم القيامة، لأنّ مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء، لعدم اختصاصه
[١] راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج ١ ص ٥١- ٥٤.