أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨٥ - المقام الثالث في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين
بقي هنا شيء:
و هو ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في ذيل البحث عن الأقل و الأكثر الارتباطيين من أنّه إذا دار الأمر بين جزئيّة شيء أو شرطيّته، و بين مانعيته أو قاطعيته لكان من قبيل المتباينين و لا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين، فيكون الواجب الاحتياط (خلافاً لما ربّما يظهر من الشيخ الأنصاري (رحمه الله) من كونه من الدوران بين المحذورين، و أنّ الأقوى فيه هو التخيير).
أقول: الفرق بين المانع و القاطع أنّ الأوّل يمنع عن تأثير المقتضي فيقابل الشرط الذي يكمّل اقتضاء المقتضي، و يوجب إتمام تأثيره، و أمّا الثاني فهو ما يتخلّل بين الأجزاء و يقطع المقتضي، فهو يمنع عن وجود المقتضي، بينما الأوّل يمنع عن تأثيره بعد وجوده.
و كيف كان، الحقّ مع المحقّق الخراساني (رحمه الله)، أي يكون المقام من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، لأنّ دوران الأمر بين المحذورين يتصوّر بالنسبة إلى العمل الواحد، و في ما نحن فيه يمكن إتيان العمل مرّتين، أي تكرار العبادة بقصد الرجاء، و فعلها تارةً مع ذلك الشيء المشكوك، و اخرى بدونه.
إلى هنا تمّ البحث عن المقام الثاني من المقامات الثلاثة لمبحث الاشتغال (و هو دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.
المقام الثالث: في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين
الظاهر قيام الإجماع على البراءة عن الأكثر فيه، و وجهه واضح، لرجوعه إلى الشبهة البدويّة بالنسبة إلى الأكثر، كما إذا دار الأمر في الصلوات الفائتة بين عشر صلوات و خمس عشرة، (هذا في الشبهة الموضوعيّة)، و كما إذا علمنا بفوات عدّة صلوات يوميّة و غيرها كصلاة الآيات، و شككنا في وجوب قضاء غير اليومية (و هذا في الشبهة الحكميّة) فتجري البراءة بالنسبة إلى خمس صلوات في المثال الأوّل و بالنسبة إلى غير اليومية في المثال الثاني.
نعم، إذا كان في البين أصل موضوعي يوجب ارتفاع موضوع البراءة فلا إشكال في تقدّمه عليها و عدم الحاجة إلى جريانها، كما إذا علمنا بفوات الصّلاة في يومين، و شككنا في فواتها في يوم ثالث، فتجري حينئذ أصالة عدم الإتيان (استصحاب عدم الإتيان) و يثبت