أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٠ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
و إذن يختصّ الحديث بالشبهات الموضوعيّة لأنّ شموله للشبهات الحكميّة يحتاج إلى تقدير الحكم، أي رفع ما لا يعلمون حكمه، و الأصل عدم التقدير.
فظهر أنّ طريق إثبات اختصاص الرواية بالشبهات الموضوعيّة لا ينحصر في ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (رحمه الله) من قضية وحدة السياق، بل يمكن إثباتها من طريق تحليل معنى الرفع و ملاحظة موارد استعمال ما يقابله من كلمة الوضع.
ثمّ إنّ هذا (أي اختصاص حديث الرفع بالشبهة الموضوعيّة) قد يؤيّد بالرجوع إلى عصر صدور هذا الحديث من النبي ٦ حيث لم تكن الشبهة الحكميّة محلًا للابتلاء في ذلك العصر إلّا قليلًا لأنّهم كانوا مستغنين بأرباب الشريعة، يأخذون منهم الأحكام مشافهة، و يعرفون ما يريدون بالسؤال عن نفس المعصوم بلا واسطة، فالحديث منصرف إلى ما كان محلًا للابتلاء.
الأمر الثاني: قد ظهر ممّا ذكرنا عدم تقدير شيء في الحديث لا الحكم و لا المؤاخذة، و لا الأثر المناسب و لا جميع الآثار، بل المرفوع هو نفس الفعل في عالم الاعتبار، و هو كناية عن عدم حرمته، و إذا ارتفعت الحرمة ارتفعت جميع آثارها، و حينئذٍ لا تصل النوبة إلى ما ذكره الأعلام و اختلفت فيه الآراء من أنّ المقدّر في الحديث ما ذا؟
كما ظهر أيضاً أنّ الرفع إخبار عن الواقع (كما أنّ الوضع في مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ» إخبار عن الوضع في الواقع) لا إنشاء من جانب الرسول ٦ فلا تصل النوبة إلى البحث عن إمكان التشريع للرسول ٦ و عدمه، و لو فرض كونه إنشاء من جانبه ٦ فلا إشكال فيه أيضاً لما أثبتناه في البحث عن ولاية الفقيه في الفقه من صدور تشريعات جزئية من ناحية الرسول ٦ و إمضائه من جانب الباري تعالى، فما ذهب إليه في تهذيب الاصول من عدم وجود هذا الحقّ للرسول ٦ و الأئمّة : مطلقاً في غير محلّه.
الأمر الثالث: في شمول حديث الرفع للأحكام الوضعيّة و عدمه، فإذا تحقّق بيع عن إكراه مثلًا فهل يكون نافذاً شرعاً أو لا؟ فقد يقال بعدم نفوذه لأجل هذا الحديث بل هو ممّا استدلّ به على اعتبار الاختيار في باب المعاملات، و كيف كان فقد ذكر للعموم و الشمول وجوه:
الأوّل: اطلاق الرفع، إمّا بناءً على وجود تقدير في الحديث، فلأنّ المقدّر هو جميع الآثار، و إمّا بناءً على ما اخترناه من كون الرفع كناية فلأنّه كناية عن رفع الحكم الجزئي، و هو في مثل