أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٧ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدمه
يدلّ إلّا على أنّ الخبر الذي يكون معه هذا المرجّح يؤخذ به لكونه معه أقرب إلى الواقع في نظر الشارع لا في نظر الناظر، و من المعلوم أنّه لا يصحّ لنا التعدّي إلى كلّ خبر يكون معه شيء يرجّح في نظرنا مطابقته للواقع [١].
و يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ المدّعى جواز التعدّي إلى كلّ مزية توجب لنا العلم بكون ذيها أقرب إلى الواقع و هو علم طريقي لا يمكن للشارع مخالفته.
فالصحيح في المناقشة في الحديث ما ذكرنا من الإشكال السندي و الدلالي.
الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ الأعظم (رحمه الله) في رسائله و لم يأت به المحقّق الخراساني في الكفاية لضعفه عنده، و هو النبوي المعروف «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ببيان أنّ من المعلوم كون المراد من عدم الريب هو عدم الريب بالإضافة إلى الآخر لا عدم الريب مطلقاً و إلّا كان مقابله ممّا لا ريب في بطلانه.
و الجواب عنه: أنّ الظاهر من هذا الحديث أيضاً عدم الريب مطلقاً، و حينئذٍ يخرج عمّا نحن فيه و يدخل في الشبهة البدوية التحريميّة، و لذلك استدلّ به الأخباريون على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريميّة، و يشهد على هذا المعنى ما ورد في ذيل الحديث على نقل الكراجكي في كنز العمّال (على ما حكي عنه) و هو قوله ٦: «فإنّك لن تجد فقد شيء تركته للَّه عزّ و جلّ» حيث إنّ المناسب لهذا التعليل أن يكون المراد من ما يريبك هو الشبهات البدوية، و من ما لا يريبك هو الاحتياط في هذه الشبهة برجاء ثوابه تعالى.
هذا- مضافاً إلى إرساله.
إلى هنا ظهر عدم تمامية شيء ممّا استدلّ به القائلون لجواز التعدّي.
و أمّا القائلون بعدم جواز التعدّي فاستدلّوا بأنّه هو مقتضى الأصل و القاعدة، و هى إطلاقات التخيير، حيث إنّها تقتضي التخيير في كلّ حال إلّا ما خرج بالدليل، و ما خرج بالدليل إنّما هو ذو المزيّة بالمزايا المنصوصة فقط.
و يمكن تأييده بما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) بعنوان الدليل، و هو أنّه لو وجب التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى كلّ مزية توجب أقربية ذيها إلى الواقع لبيّن الإمام ٧ من الأوّل بنحو الضابطة الكلّية أنّه يجب الأخذ بالأقرب من الخبرين إلى الواقع من دون حاجة إلى ذكر
[١] درر الاصول: ص ٦٧٣، طبعة جماعة المدرّسين.