أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٥ - ١- جواز التقليد للعامي
صورة حصول الظنّ كما هو محلّ النزاع في المقام، و بعبارة اخرى: أنّ للآية قدر متيقّن في مقام التخاطب فإطلاقها ليس بحجّة لعدم حصول جميع مقدّمات الحكمة.
و الجواب عنه: أنّ الآية مطلقة، و مجرّد وجود قدر متيقّن في مقام التخاطب لا ينافي الاطلاق كما ذكرناه في محلّه، و إلّا لاختلّ غالب النصوص المطلقة لنزولها أو ورودها في مقامات خاصّة.
ثانيهما: أنّها في مقام بيان وظيفة المجتهد لا المقلّد، فلا اطلاق لها من هذه الجهة.
و فيه: أنّه مجرّد دعوى لا شاهد عليها، بل الظاهر كون الآية في مقام البيان من الجانبين.
منها: آية السؤال، و هى قوله تعالى: «وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» [١] و قوله تعالى: «وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» [٢] (و الفرق بينهما هو إضافة كلمة «من» في الثانية).
هذه الآية من جهة أقوى دلالة من آية النفر لأنّها في مقام بيان وظيفة المقلّد و تلك كانت في مقام بيان وظيفة الفقيه و المجتهد على قول.
و تقريب الاستدلال بها واضح، فإنّ المراد من أهل الذكر أهل العلم و القرآن من العلماء كما نصّ عليه جماعة.
و لكن أورد عليه أوّلًا: بأنّ موردها و شأن نزولها إنّما هو أهل الكتاب في باب اصول الدين التي يعتبر فيها تحصيل العلم، فيكون الأمر بالسؤال من أهل الذكر لتحصيل العلم من أقوالهم فيعمل بالعلم لا بأقوالهم تعبّداً ليثبت المطلوب.
و ثانياً: بأنّ ذيلها و هو قوله تعالى: «إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» أقوى شاهد على أنّ الغرض من السؤال هو العلم فالآية تقول: «إن كنت لا تعلم فاسأل حتّى تعلم».
لكن الإنصاف إمكان دفع كليهما ...
أمّا الإيراد الأوّل: فلأنّ المورد ليس مخصّصاً و الآية مطلقة تعمّ السؤال عن اصول الدين و غيرها، و تقييد بعض المصاديق (و هو اصول الدين) بالعلم بدليل من الخارج لا يوجب تقييد سائر المصاديق به و اعتباره فيها، فكما أنّه يمكن تقييد جميع المصاديق بدليل منفصل كقوله: «لا
[١] سورة الأنبياء: الآية ٧.
[٢] سورة النحل: الآية ٤٣.