أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٥ - المختار في معنى الحديث
و منها: ما مرّ سابقاً من قوّة احتمال ورود هذه الفقرة ذيل رواية الشفعة التي لا تناسب النهي أصلًا لأنّها جعلت كبرى كلّية للحكم الوضعي المذكور في صدر الرواية فيكون ظاهرها كون الفاعل هو المكلّفين.
و منها: ورود قيد «في الإسلام» في بعض الطرق بعد قوله: «لا ضرر و لا ضرار» لأنّها تصير حينئذٍ نظير قول الرجل لخادمه: «ليس في بيتي الكذب و الخيانة» لِيُعلِمه بأبلغ البيان أنّ هذه الامور ممّا لا ينبغي له ارتكابه في بيته أبداً، و من ارتكبها كان خارجاً عن أهل البيت، و لا يخفى أنّ الفاعل حينئذٍ هو الخادم، و في ما نحن فيه هو المكلّف.
فظهر أنّ الفاعل للضرر هو الناس بعضهم ببعض لا اللَّه سبحانه.
المختار في معنى الحديث
لا إشكال في أنّه إذا ضممنا نتيجة الأمر الأوّل (و هى كون «لا» نافية) إلى نتيجة الأمر الثاني (و هى كون الفاعل هو الناس) صار معنى الحديث هكذا: ليس في الخارج (أو في الإسلام بناءً على بعض الطرق) اضرار المكلّفين بعضهم ببعض، أي لا يمضيه اللَّه تبارك و تعالى و لا يجيزه، فيكون نهياً بلسان في النفي، أي النفي كناية عن النهي و عن عدم الإمضاء، و هذا ممّا نعرفه بالرجوع إلى ارتكازاتنا العرفيّة العقلائيّة و مما نعهده بين التراكيب المتداولة في اللغة العربيّة و في غيرها من الألسنة، نظير ما مرّ آنفاً من قول الرجل لخادمه: «ليس في بيتي الكذب و الخيانة» كنايةً عن أنّ مثل هذه الامور ممّا لا ينبغي له ارتكابه في بيته أبداً، و نظير ما تداول في يومنا هذا من قولك: «ليس في مكتبنا أو في قاموسنا كذا و كذا».
و النتيجة حينئذٍ شمول هذه القاعدة أوّلًا للأحكام التكليفيّة و الوضعيّة معاً، و ثانياً حكومتها على سائر الأدلّة كما هو كذلك في بعض الأقوال الاخر، و إن كان الفرق بينه و بينها عدم شمول هذا القول للأحكام الضررية في العبادات كالوضوء الضرري و الحجّ الضرري و الصوم الضرري و في التوصّليات كتطهير المسجد إذا كان التطهير منشأً للضرر، بالجملة عدم شموله لتمام الموارد التي ليس الضرر فيها من ناحية أحكام الشرع، و بهذا يظهر أنّه يمكن أن يعدّ هذا قولًا سادساً في معنى القاعدة.