أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٣ - الأمر الثالث موارد النزاع بين الأخباري و الاصولي
و عند العامّة بمعنى العمل بالقياس الظنّي أو الاستحسان الظنّي، فقد وقع الخلط بين المعنيين لأجل هذا الاشتراك.
و الشاهد على لفظية النزاع أنّ بعض الأخباريين أيضاً بحثوا عن كثير من مباحث الاصول في ابتداء كتبهم الفقهيّة كالمحدّث البحراني، حيث خصّص قسماً كبيراً من المجلّد الأوّل من حدائقه بالبحث عن المسائل الاصوليّة أي قواعد الاجتهاد بالمعنى العام و إن عبّر عنه بمقدّمات الحدائق لا المسائل الاصوليّة، كما أنّ تتبّع كلمة الاجتهاد في تاريخ الفقه و الحديث يدلّنا بوضوح أنّ هذه الكلمة كانت تستخدم للتعبير عن الاجتهاد بالمعنى الخاصّ منذ عصر الأئمّة : إلى عدّة قرون و كان هو المراد منها في الروايات المأثورة عن الأئمّة المعصومين : التي تذمّ الاجتهاد و كذلك في كلمات الأصحاب و تصنيفاتهم التي ألّفوها في هذا المجال، و يكفيك مثل هذا التعبير في بعض كلماتهم: «أنّ الاجتهاد باطل، و أنّ الإماميّة لا يجوز عندهم العمل بالظنّ و لا الرأي و لا الاجتهاد»، فإنّه دليل ظاهر على أنّ مرادهم من الاجتهاد هو ما يرادف الرأي و الظنّ.
و بهذا نعرف أيضاً أنّ لكلمة الأخباري أيضاً معنيين: أحدهما ما يرادف مصطلح المحدّث الذي يطلق في الكلمات على مثل الصدوق و الكليني رحمهما الله، و الثاني ما يقابل مصطلح الاصولي، الذي ظهر أمره و انتشر انتشاراً كثيراً في القرن الحادي عشر على يد أمين الاسترابادي، و المتبادر منه هو الأخير كما أنّ المتبادر من المحدّث هو الأوّل.
هذا كلّه في المورد الأوّل من موارد الاختلاف بين الأخباري و الاصولي.
أمّا المورد الثاني: و هو حجّية العقل فقد وقع النزاع فيه أيضاً بين الطائفتين، و قد أنكر الأخباريون اعتبار العقل إنكاراً تامّاً، و حيث أورد عليهم بأنّه لو عزلتم العقل عن حكمه مطلقاً فمن أين تثبت اصول الدين؟ و هل يمكن إثباته بالدليل النقلي مع استلزامه الدور الواضح؟ فلذا أخذ جماعة منهم في الاستثناء عن هذا العموم فقال بعضهم باعتبار العقل البديهي، و بعضهم باعتبار ما يقرب إلى الخمس من العقل النظري كالرياضيات إلى غير ذلك ممّا ذكروه في هذا المقام ممّا يدلّ على وقوعهم في هرج و تناقض من هذا الأمر و حيث قد مرّ الكلام في جميع ذلك مشروحاً في مباحث القطع فلا حاجة إلى إعادته فراجع و تأمّل.
و أمّا المورد الثالث: و هو تقليد العوام للعلماء- فقد ذهب الأخباريون إلى عدم جوازه،