أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٩ - المقام الثاني فى مباحث التقليد
أنّه ليس معناه حصول القطع ببطلان الفتوى السابقة لأنّه خارج عن محلّ الكلام، بل يحتمل صحّتها أيضاً في متن الواقع، و إن كانت وظيفته فعلًا العمل بالثانية.
و حينئذٍ يمكن دعوى انصراف أدلّة حجّية الفتوى اللاحقة إلى الوقائع اللاحقة حتّى بالنسبة إلى المجتهد نفسه، هذا إذا كان الدليل لفظياً، و أمّا إذا كان دليل الحجّية لبّياً فالقدر المتيقّن منه ليس إلّا ما ذكرناه، و هذا الكلام يجري بالنسبة إلى الأعلم أيضاً.
إلى هنا تمّ الكلام عن المقام الأوّل من مباحث الاجتهاد و التقليد (و هو البحث عن أحكام الاجتهاد).
المقام الثاني: فى مباحث التقليد
و هو في اللغة جعل القلادة على العنق، قلّده تقليداً جعل القلادة على عنقه، و منها تقليد الولاة الأعمال، و تقليد البدنة أن يعلّق في عنقها شيء ليعلم أنّه هدى، و تقليد السيف تعليقه في العنق أو شدّه على وسطه، و أمّا الاقليد فهو معرّب «كليد»، و في مجمع البحرين أنّه لغة يمانية بمعنى المفتاح، فلا ربط بينه و بين مادّة القلادة.
و أمّا التقليد في المقام، أي التقليد عن المجتهد فالمعروف أنّه قبول قول الغير من غير دليل، لأنّ المقلِّد يجعل عمله كالقلادة على عنق المجتهد، و قيل أنّ المقلِّد يجعل طوق التبعيّة على عنقه.
و أمّا في الاصطلاح فقد ذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) له في رسالته الشريفة أربعة معانٍ:
١- العمل بقول الغير.
٢- قبول قول الغير.
٣- الأخذ بقول الغير.
٤- متابعة قول الغير.
و يمكن أن يقال: إنّها جميعاً ترجع إلى معنى واحد و لكن يستخرج منها عند الدقّة ثلاثة مفاهيم مختلفة: أحدها: العمل بقول الغير، ثانيها: الأخذ بقول الغير بقصد العمل من دون العمل به، ثالثها: الالتزام القلبي بالعمل به و إن لم يأخذه و لم يعمل به، ثمّ يقع البحث في أنّه أي شيء من