أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٧ - التنبيه الثاني عشر استصحاب تأخّر الحادث
و قد يتوهّم أنّه يجري الاستصحاب فيه أيضاً، لأنّ الكرّية مثلًا و إن كان وجودها معلوماً لنا بالنسبة إلى اجزاء الزمان و لكنّه مجهول بالنسبة إلى زمان الملاقاة، فالأصل عدم وجودها حين الملاقاة و مقتضاه النجاسة.
و قد اجيب عنه بوجوه:
أولها: (و هو العمدة) أنّ مفاد الاستصحاب هو الحكم ببقاء ما كان متيقّناً في عمود الزمان و جرّه إلى زمان الشكّ في الارتفاع، و في المقام لا شكّ لنا في معلوم التاريخ باعتبار عمود الزمان حتّى نجرّه بالتعبّد الاستصحابي.
و بعبارة اخرى: لا شكّ لنا في معلوم التاريخ في زمان أصلًا، فإنّه قبل حدوثه (المعلوم لنا وقته تفصيلًا) لا شكّ في انتفائه، و بعد حدوثه لا شكّ في وجوده، بل الشكّ فيه إنّما هو بالقياس إلى الآخر.
ثانيها: سلّمنا بجريان استصحاب العدم فيه أيضاً، و لكنّه محكوم للاستصحاب الجاري في مجهول التاريخ، لأنّه مسببي و الاستصحاب الجاري في مجهول التاريخ سببي، لأنّ الشكّ في أنّ الملاقاة هل وقعت قبل الكرّية أو بعدها (مع أنّ زمان الملاقاة معلوم) ينشأ في الحقيقة من الشكّ في زمان الكرّية، فحيث أنّا لا نعلم أنّ الكرّية هل وقعت يوم السبت بعد الأحد نشكّ في أنّ الملاقاة الواقعة يوم الأحد هل وقعت حين وجود الكرّية أو وقعت حين عدمها.
و لكن يرد عليه: أنّ السببيّة و إن كانت هنا معلومة و لكن التسبّب فيه ليس شرعيّاً، و قد ذكر في محلّه لزوم ذلك في حكومة الأصل السببي على المسبّبي.
ثالثها: ما عرفت من حديث انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين فإنّه صادق في معلوم التاريخ أيضاً.
و لكن قد عرفت الجواب عنه بما لا مزيد عليه.
و قد ظهر إلى هنا أنّ الحقّ عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ تبعاً للشيخ الأعظم (رحمه الله) فيجري في مجهول التاريخ من دون معارض.
بقي هنا شيء:
و هو توارد الحالتين المتعاقبتين (المتضادّتين كالوضوء و الحدث) في محلّ واحد، و الفرق