أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٨ - التنبيه الثامن في تعارض الضررين
إذا كان التفاوت بين الضررين أقلّ قليل بحيث تكون القاعدة منصرفة عنه عند العرف.
و قسم يكون أحد الضررين أقوى من الآخر بحيث يحكم العرف بعدم شمول القاعدة للأضعف بعد الكسر و الانكسار، فلا إشكال أيضاً في جريان القاعدة في خصوص الأقوى.
أمّا المقام الثاني فهو أيضاً على قسمين:
أولًا: يكون التعارض بين الضررين بالنسبة إلى مالكين، كما في مثال إدخال الدابّة رأسها في قدر مالك آخر، أو بالنسبة إلى غير المالك، كما إذا كان تغيير مسير نهر عام موجباً للاضرار بقرية، و عدم تغييره موجباً للاضرار بقرية اخرى، ففي هذه الصورة أيضاً إمّا أن تجري القاعدة في الطرفين ثمّ تتساقط، أو لا تجري رأساً من باب إنّ أدلّة القاعدة منصرفة عنها، لأنّها حكم امتناني و لا امتنان فيها، فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى قاعدة عقلائية اخرى، و هى قاعدة العدل و الإنصاف، أو قاعدة الجمع بين الحقّين، فيتعيّن أحد الضررين بالقرعة ثمّ تقسّم الخسارة بين الطرفين، نعم هذا إذا لم يكن أحدهما مقصّراً، و إلّا فعلى المقصّر تحمّل الخسارة كلّها.
هذا كلّه إذا كان الضرران متساويين، و أمّا إذا كان أحدهما أقوى من الآخر فليس المرجع حينئذٍ القرعة، بل لا بدّ فيه من الأخذ بالأضعف و تعيين مقدار الخسارة فيه، ثمّ تقسيمها بينهما، كما إذا كان إخراج الدابّة عن الدار متوقّفاً على قلع باب الدار فحسب إذا كانت قيمة الدابّة أكثر من خسارة قلع الباب و نصبه ثانياً.
هذه هى الصورة الاولى، و العجب كيف لم يتعرّض الفقهاء إلى لزوم تقسيم الخسارة فيها بين الطرفين.
ثانياً: يكون التعارض بين ضرر مالك و غير المالك، و الأمثلة المذكورة لهذه الصورة أكثرها خارجة عمّا نحن فيه، كمثال جعل دار مطبخة أو مدبغة أو بيت حدّاد في سوق العطّارين، فإنّها ليست مشمولة لقاعدة السلطنة عند العقلاء حتّى نحتاج إلى تضييقها بقاعدة لا ضرر، لأنّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائيّة، لها حدود و قيود و نطاق معلوم، و من تجاوز عنها عدّ متجاوزاً على حقوق الآخرين، فليست القاعدة عندهم مطلقة من جميع النواحي، و من الواضح أنّ ما ورد في لسان الشرع بالنسبة إلى هذه القاعدة يكون إمضاء لما عند العقلاء بما لها من الحدود و القيود.