أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٨ - الأمر الرابع في معنى الضرر و الضرار
ثمّ قال: «قال ابن الأثير: قوله: لا ضرر، أي لا يضرّ الرجل أخاه، و الضرار فِعال من الضرّ أي لا يجازيه على اضراره، و الضرر فعل الواحد و الضرار فعل الاثنين، و الضرر ابتداء الفعل، و الضرار الجزاء عليه، و قيل: الضرر ما تضرّ به صاحبك و تنتفع أنت به، و الضرار أن تضرّه من غير أن تنتفع، و قيل هما بمعنى، و تكرارهما للتأكيد».
فقد ذكر إلى هنا أربعة معانٍ تكون هى الأساس و العمدة من المعاني التي ذكرناها في كتابنا القواعد الفقهيّة:
١- أن يكون الضرار بمعنى الضرر.
٢- أنّه الاضرار بالغير بما لا ينتفع به بخلاف الضرر فإنّه الاضرار بما ينتفع.
٣- أنّه فعل الاثنين و الضرر فعل الواحد.
٤- أنّه المجازاة على الضرر و المقابلة بالمثل.
و أمّا تفسيره بالتعمّد بالضرر فيرجع إلى المعنى الثاني، أي الاضرار بالغير بما لا ينتفع به.
هذا ما يستفاد من لسان العرب، و سائر كتب اللغة اختار كلّ واحد منها بعض هذه الأربعة، نعم ذكر في القاموس أنّه بمعنى الضيق، و سيأتي ما فيه في آخر البحث.
و بهذا يظهر أنّ تعيين معنى «الضرار» بالطريق الأوّل مشكل جدّاً.
و أمّا الطريق الثاني، و هو الإطراد و كثرة الاستعمال فالمستفاد منه عدم كونهما بمعنى واحد (أي المعنى الأوّل من المعاني الأربعة) مضافاً إلى أنّه بعيد في نفسه لأنّ أحدهما مصدر الثلاثي المجرّد و الآخر مصدر المزيد، كما أنّ معنى المجازاة على الضرر (و هو المعنى الرابع) يكون من لوازم باب المفاعلة، و هكذا المعنى الثالث و هو كونه فعل الاثنين فليسا هما مستفادين من كثرة الاستعمال بل المستفاد من التتبّع في موارد استعمال الكلمة في الكتاب و السنّة إنّما هو المعنى الثاني و هو- كما أشرنا- عبارة عن التعمّد على الضرر بما لا ينتفع به فقوله تعالى: «وَ لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً» معناه الإمساك ثمّ الطلاق بقصد الإيذاء لا بقصد الإمساك و الانتفاع كما يشهد عليه قوله تعالى: «لِتَعْتَدُوا» الوارد في ذيل الآية و كذلك الروايات الواردة في ذيلها، و هكذا قوله تعالى: «لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَ لَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» بناءً على أحد التفسيرين المذكورين سابقاً و هو كونه نهياً عن اضرار الامّ بولدها بترك إرضاعه غيظاً على أبيه و عن اضرار الأب بولده بانتزاعه عن امّه طلباً للاضرار بها، و قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى