أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٩ - الأمر الثاني الاجتهاد بالمعني العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ
بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب و السنّة و الاقتصار على البيان الشرعي، و يشجب الرجوع إلى العقل.
الثاني: في المجال العقائدي و الكلامي فصار سبباً لظهور الأشعري الذي عطّل العقل و زعم أنّه ساقط بالمرّة عن إصدار الحكم حتّى في المجال العقائدي. فبينما كان المقرّر عادةً بين العلماء: أنّ وجوب المعرفة باللَّه و الشريعة ليس حكماً شرعياً و إنّما هو حكم عقلي، لأنّ الحكم الشرعي ليس له قوّة دفع و تأثير في حياة الإنسان إلّا بعد أن يعرف الإنسان ربّه و شريعته، فيجب أن تكون القوّة الدافعة إلى معرفة ذلك من نوع آخر غير نوع الحكم الشرعي (أي من نوع الحكم العقلي)- بينما كان هذا هو المقرّر عادةً بين المتكلّمين- خالف في ذلك الأشعري، إذ عزل العقل عن صلاحية إصدار أي حكم و أكّد أنّ وجوب المعرفة باللَّه حكم شرعي كوجوب الصوم و الصّلاة.
الثالث: في علم الأخلاق (و كان وقتئذٍ يعيش في كنف علم الكلام) فأنكر الأشاعرة قدرة العقل على تمييز الحسن من الأفعال عن قبيحها حتّى في أوضح الأفعال حسناً أو قبحاً، فالظلم و العدل لا يمكن للعقل أن يميّز بينهما، إنّما صار الأوّل قبيحاً و الثاني حسناً بالبيان الشرعي و لو جاء البيان الشرعي يستحسن الظلم و يستقبح العدل لم يكن للعقل أي حقّ للاعتراض على ذلك.
و لا إشكال في أنّ هذه النتائج الفاسدة الشنيعة مشتملة على خطر كبير و الرجوع عن الإسلام إلى الجاهلية الذي قد لا يقلّ عن الخطر الذي كان يستبطنه مصدر تلك النتائج أي مذهب الرأي و الاجتهاد لأنّها حاولت القضاء على العقل بشكل مطلق و تجريده عن كثير من صلاحياته و ايقاف النحو العقلي في الذهنيّة الإسلاميّة بحجّة التعبّد بنصوص الشارع و الحرص على الكتاب و السنّة، و لهذا كانت تختلف اختلافاً جوهرياً عن موقف مدرسة أهل البيت التي كانت تحارب مذهب القياس و الاستحسان و تؤكّد في نفس الوقت أهميّة العقل و ضرورة الاعتماد عليه في الحدود المشروعة و اعتباره ضمن تلك الحدود بعنوان أداة رئيسية أصلية لإثبات الأحكام الشرعيّة حتّى جاء في نصوص أهل البيت :: «إنّ للَّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة