أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١ - المناقشة
نطلب الحجّة بيننا و بين اللَّه تعالى سواء قبل الخصم أو لم يقبل.
و ثانياً: بأنّ عدم وجود الملازمة بين الأمرين أمر واضح، ضرورة أنّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عند الخصم بأعظم ممّا علم بحكمه، فإذا لم تكن ملازمة بينهما في المخالفة القطعيّة فعدمها في المخالفة الاحتماليّة بطريق أولى.
أقول: يمكن الجواب عنه بأنّ ما يهمّنا في الفقه إنّما هو الأمن من العذاب، و هو حاصل بنفي الفعليّة سواء لزمه نفي الاستحقاق أم لا.
الأمر الثاني و الثالث: ما أفادهما الشيخ الأعظم (رحمه الله) من أنّ ظاهر الآية الإخبار بوقوع العذاب سابقاً بعد البعث فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الامم السابقة، فمحصّل كلامه:
أوّلًا: أنّ الآية مختصّة بالامم السابقة، و ثانياً: أنّ اللَّه تعالى قد أخبر بنفي خصوص العذاب الدنيوي، و ليس في الآية دلالة على أنّه تعالى لم يعذّبهم لعدم استحقاقهم له كي يكون دليلًا على نفي العقاب قبل البيان مطلقاً، أي الدنيوي و الاخروي جميعاً بل لعلّه لم يفعل ذلك منّة منه تعالى في خصوص الدنيا.
و الجواب عنهما واضح، أمّا بالنسبة إلى الأوّل منهما فلأنّ لحن الآية الشريفة إنّما هو لحن قوله تعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً» [١]، فيدلّ على أنّه لا يكون العذاب من دون بعث الرسول لائقاً بشأنه تعالى، و لا معنى لاختصاص هذا المفهوم بالامم السابقة كما تشهد عليه الفقرتان السابقتان على هذه الفقرة (أي قوله تعالى «مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا» و قوله تعالى: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى») حيث إنّه لا إشكال في عدم اختصاصهما بالامم السابقة.
و أمّا بالنسبة إلى الثاني منهما فلأنّه إذا لم يعذّبهم في الدنيا فعدم تعذيبه في الآخرة بطريق أولى، و هو عذاب يدوم بقاؤه و لا يخفّف عن أهله، و الشاهد عليه الآية اللاحقة و هى قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً».
الأمر الرابع: «إنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية المباركة هو أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا
[١] سورة مريم: الآية ٦٤.