أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠٨ - مدار الأعلميّة على ما ذا؟
سائر الفنون و الحرف لأنّه لا ريب في أنّ الشكّ في الخلاف موجود على الأقل في غالب الموارد.
هذا مضافاً إلى أنّه لا مانع لشمول إطلاقات الحجّية لغير الأعلم في هذه الموارد لأنّه لا موجب لانصرافها.
إن قلت: التمسّك بالإطلاقات و العمومات في ما نحن فيه يكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة للمخصّص لأنّا نعلم بتخصيص هذه العمومات بموارد العلم بالمخالفة.
قلنا: إنّ دائرة الدليل المخصّص في المقام تكون في موارد العلم بالاختلاف لا موارد الاختلاف في الواقع، فإنّ الدليل على التخصيص هو سيرة العقلاء، و هى مختصّة بموارد العلم بالخلاف لا موارد الخلاف واقعاً سواء علمنا بها أو لم نعلم، و لا إشكال في أنّ عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة للمخصّص خاصّ بما إذا كان المستثنى من عموم العام بدليل المخصّص هو العنوان الواقعي لا العنوان المقيّد بالعلم.
إن قلت: الشبهة في المقام حكميّة و لا يجوز التمسّك بالعمومات في الشبهات الحكميّة إلّا بعد الفحص.
قلنا: إنّ الشبهة في ما نحن فيه موضوعيّة لا حكميّة، لأنّه لا شكّ لنا في حكم اللَّه الكلّي فإنّا نعلم على نحو كلّي بأنّه يجوز التقليد إلّا في موارد العلم بالخلاف، و إنّما الشكّ في تحقّق موضوع الخلاف و عدمه خارجاً.
بقي هنا شيء:
مدار الأعلميّة على ما ذا؟
قد مرّ أنّ المعيار فيه هو شدّة القوّة و القدرة على استخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّتها إجمالًا، و لا إشكال في أنّ معرفة هذا ليس مشكلًا لأهل الخبرة و لو كانوا في المراتب التالية بالنسبة إلى المجتهد محتمل الأعلميّة، و هذا ما ندركه بوجداننا العرفي، فمن كان له معرفة بقواعد الشعر و موازينه مثلًا يقدر على أن يعيّن بعض الشعراء المعروفين ممن هو أقوى من هذه الناحية، أو شاعر متوسّط له حظّ من هذه الملكة و كذلك نرى أبنية كثيرة في غاية الاستحكام و الجودة، و نرى فرقاً كثيراً بينها و بين أبنية اخرى لا يرى فيها هذه المزيّة، و نعلم قطعاً أنّ المعمارين في القسم الأوّل كانوا أقوى و أعلم و أكثر خبرة و أحسن ذوقاً من المعمارين في القسم