أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٣ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
علماً وجدانياً لا يحتمل الخلاف بالتكليف الفعلي الذي لا يرضى المولى بتركه ... و هذا هو الذي يصلح أن يبحث عنه في باب القطع» [١] فحاصل كلامه أنّ المراد من العلم الإجمالي المبحوث عنه في باب القطع هو العلم الحاصل بالوجدان و المراد منه في مبحث الاشتغال هو ما حصل بإطلاق دليل أو قيام حجّة.
و يرد عليه أوّلًا: أنّه خلاف تعابيرهم و الأمثلة التي ذكروها في المقام كالتمثيل بالعلم الإجمالي بالخمر الدائر بين الإنائين حيث إنّه يشمل ما إذا علم به بالوجدان، و ليس المراد منه خصوص ما إذا قامت البيّنة على خمرية أحد الإنائين قطعاً، و كذلك التمثيل بالصلاة المردّدة بين الجمعة و الظهر حيث إنّها معلوم وجوبها في يوم الجمعة بضرورة من الدين و إجماع المسلمين.
ثانياً: إنّ الملاك تمام الملاك في ما نحن فيه كون التكليف فعليّاً من جميع الجهات و عدم كونه كذلك، من دون فرق بين العلم الوجداني و الأمارات المعتبرة، فإن لم يكن فعليّاً من جميع الجهات يمكن جريان الاصول المرخّصة و إلّا يكون المورد مجرى قاعدة الاشتغال.
ثالثاً: إنّ الترخيص الصادر من الشارع ليس منحصراً في موارد أدلّة الاصول العمليّة، بل إنّها إحدى الطرق المرخّصة لما سيأتي من ترخيصه في الشبهات غير المحصورة لملاكات اخر، و الحقّ كما ذكرنا في محلّه أنّ مسألة القطع قائمة بتأثير العلم الإجمالي من حيث الاقتضاء، و مباحث العلم الإجمالي هنا ناظرة إلى عدم وجود الموانع لهذا المقتضى.
ثمّ إنّ البحث هاهنا يقع في جهتين: حرمة المخالفة القطعيّة، و حرمة المخالفة الاحتماليّة.
أمّا الجهة الاولى: فقال الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله): «لنا على ذلك وجود المقتضي للحرمة و عدم المانع عنها، إمّا ثبوت المقتضي فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه فإنّ قول الشارع «اجتنب عن الخمر» يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الإنائين أو أزيد و لا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلًا مع أنّه لو اختصّ الدليل بالمعلوم تفصيلًا خرج الفرد المعلوم إجمالًا عن كونه حراماً واقعياً و كان حلالًا واقعياً و لا أظنّ أحداً يلتزم بذلك، و أمّا عدم المانع فلأنّ العقل لا يمنع من التكليف عموماً أو خصوصاً بالاجتناب عن عنوان الحرام
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٢٤٨، طبع جماعة المدرّسين.