أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٠٨ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
و لكن يمكن الجواب عنه: بأنّ كلّ هذه مبنى على مبنى فاسد في حقيقة الاستعمال، و هو أنّ حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى كما هو مختار المحقّق الخراساني و من تبعه، و أمّا إذا قلنا بأنّ الاستعمال نوع من التعهّد و الالتزام، أي التعهّد بأنّ هذا اللفظ علامة لهذا المعنى فلا إشكال في البين و لا استحالة.
إن قلت: فكيف يكون المتكلّم غافلًا عن اللفظ و ملتفتاً إلى خصوص المعنى حين التلفّظ؟ و كيف يسري القبح أو الحسن من المعنى إلى اللفظ؟
قلنا: كلّ هذا لأجل كثرة الاستعمال، و لا ربط بالفناء و نحوها، و إن أبيت فانظر إلى من كان حديث العهد بلغة جديدة، فإنّه ينظر إلى اللفظ أيضاً حين الاستعمال، و لا يحسّ قبحاً أو حسناً بالنسبة إلى الألفاظ التي لها معانٍ قبيحة أو معانٍ حسنة، فإذا ضممنا هذا إلى ما اخترناه في محلّه من جواز استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى بلا إشكال، و إنّ كثيراً من البدائع و الظرائف الكلامية مبنية عليه (كما جاء في قول الشاعر:
المرتمى في الدجى و المبتلى بعمى و المبتغي ديناً و المشتكي ظمأً
يأتون سدّته من كلّ ناحية و يستفيدون من نعمائه عيناً
و النتيجة اندفاع إشكال الجمع بين اللحاظين، كما مرّ تفصيله في محلّه.
إلى هنا ثبت إمكان إرادة المعاني الثلاثة معاً (الحكم الواقعي و القاعدة و الاستصحاب) من الحديث و أنّه لا استحالة فيه.
لكن الكلام بعدُ فيما هو الظاهر منه، فنقول: الصحيح أنّ الظاهر منه بصدره و ذيله و بغايته و مغيّاه إنّما هو قاعدة الطهارة و الحلّية، كما نسب إلى المشهور، فلا يستفاد منها الحكم الواقعي و لا الاستصحاب، و ذلك لقرائن مختلفة:
أحدها: أنّ الغاية (و هى كلمة «حتّى تعلم») سواء كانت قيداً للموضوع (أي كلّ شيء مقيّد بعدم العلم بنجاسته طاهر) أو كان قيداً للحكم (أي كلّ شيء طاهر بالطهارة المقيّدة بعدم العلم بالنجاسة) أو كان قيداً للنسبة كما هو الموافق مع الوجدان العرفي و الارتكاز العقلائي (أي أنّ الطهارة ثابتة ما لم يعلم بالنجاسة) لا تناسب كون المراد الحكم الواقعي، لأنّ الأحكام الواقعيّة مغيّاة بقيود واقعيّة و عناوين حقيقية، و ليست تابعة للعلم و الجهل، فإنّ ماء الكرّ مثلًا طاهر واقعاً إلى أن يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة واقعاً، لا إلى أن يعلم بتغيّره.
الثانية: أنّ العرف إذا اعطيت بيده الغاية (حتّى تعلم) يؤخذ ضدّها (و هو الشكّ) في