أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٥ - الجهة الاولى في الأجزاء
إن قلت: ليس الأمر خالياً من إحدى الحالتين فإمّا ينحلّ العلم الإجمالي أو لا ينحلّ.
فإن انحلّ فتكون الشبهة بالنسبة إلى الأكثر بدويّة، و الحكم فيها هو البراءة كسائر مصاديق الشبهات البدويّة فلا خصوصيّة لما نحن فيه، و إن لم ينحلّ فكيف يكون بناء العقلاء على البراءة مع وجود العلم الإجمالي و تنجّزه عقلًا؟
قلنا: إنّ العلم الإجمالي و إن لم ينحلّ بل كان منجّزاً عند العقل، لكن مع ذلك جرى بناء العقلاء على البراءة، و أمضاه الشارع المقدّس كما مرّ تفصيله عند الكلام في البراءة العقليّة مستوفاً.
هذا كلّه هو الدليل الأوّل للمحقّق الخراساني (رحمه الله) على وجوب الاحتياط.
الدليل الثاني: ما يكون مبتنياً على مقالة العدليّة من أنّ الواجبات الشرعيّة الطاف في الواجبات العقليّة، و إنّ الأوامر و النواهي مبنيّة على مصالح و مفاسد واقعيّة لمتعلّقاتها، و هو إنّا نقطع بوجود ملاك و مصلحة ملزمة قائمة بالأقل أو الأكثر، و إذا لم يأت بالأكثر يشكّ في حصول الملاك و تلك المصلحة، فيحكم العقل بلزوم إتيان الأكثر حتّى يحصل العلم بحصول الملاك.
إن قلت: هذا لا يلائم مقالة الأشاعرة و مبنى من يقول بوجود المصلحة في خصوص الأمر نفسه لا في متعلّقه.
قلنا: إنّا لسنا مسئولين عن عقائد الأشاعرة بل علينا أن نبحث وفقاً لمبانينا.
إن قلت: لا يمكن في المقام تحصيل الغرض، لاحتمال اعتبار قصد الوجه (و هو إتيان الأجزاء بقصد الوجوب) فيه، و هو لا يمكن بالنسبة إلى الأكثر.
قلنا: قد مرّ كراراً عدم وجوب قصد الوجه، و لو سلّمنا بوجوبه فإنّه واجب بالإضافة إلى مجموع العمل لا كلّ جزء جزء.
أقول: هذا الدليل أيضاً غير تامّ لأنّه لا دليل على لزوم تحصيل الغرض إلّا في ثلاث حالات:
الاولى: فيما إذا لم يكن المولى قادراً على البيان كما إذا كان محبوساً.
الثانية: فيما إذا وقع الغرض بنفسه تحت أمر المولى كما إذا كان المأمور به في الوضوء مثلًا عنوان الطهارة المعنوية التي هى من الامور البسيطة، فيجب الاحتياط في الأجزاء حتّى يعلم بحصولها.