أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٥ - التنبيه الثاني خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
من قبيل الطيران في الهواء.
٤- احتمال انقداح الإرادة في العبد، فلو كان متعلّق التكليف ممّا لا يريده العبد أبداً و يكون متروكاً له بحيث لا ينقدح في نفسه داعٍ إليه كان النهي عنه مستهجناً عرفاً و تحصيلًا للحاصل.
و في ما نحن فيه و إن كانت الشرائط الثلاثة الاولى حاصلة إلّا أنّ الشرط الأخير غير موجود لأنّه بعد فرض خروج أحد الأطراف عن ابتلاء المكلّف لا ينقدح في نفسه داعٍ إليه فلا حاجة إلى نهيه و زجره و لا يكون التكليف بالنسبة إليه فعليّاً فيكون الشكّ بالنسبة إلى الطرف الآخر بدويّاً.
و إن شئت قلت: يجري الأصل المؤمن في الطرف المبتلى به من دون معارض نظير الشبهات البدوية بعينها، و لا يخفى الفرق بين ما إذا خرج المورد عن الابتلاء قبل حصول العلم الإجمالي و ما إذا خرج بعده، حيث إنّه في القسم الثاني قد جرى الأصل في كلّ من الطرفين قبل حصول العلم الإجمالي و تساقط الأصلان أو لم تجر الاصول فيها للتناقض في مدلولها (على اختلاف القولين في المسألة) و لا معنى لجريانه ثانياً بعد الخروج عن الابتلاء فيجب حينئذٍ الاجتناب عن الطرف المبتلى به.
ثمّ إنّه قد يتمسّك لعدم وجوب الاحتياط في المقام برواية علي بن جعفر الواردة في دم الرعاف و سيأتي عدم تماميتها.
و ينبغي هنا ذكر ما ورد في تهذيب الاصول من مخالفته لجميع المتأخّرين في هذه المسألة و القول بعدم تأثير الخروج عن محلّ الابتلاء في عدم تنجّز العلم الإجمالي، و إن سبق ذكره في بعض الأبحاث السابقة بمناسبة اخرى.
و حاصل بيانه: إنّ الخطابات على قسمين: خطاب قانوني عام، و خطاب شخصي خاص، و قد وقع الخلط بين الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين و الخطابات الشخصيّة إلى آحادهم فإنّ الخطاب الشخصي إلى خصوص العاجز و غير المتمكّن و غير المبتلى مثلًا مستهجن و لكن الخطاب الكلّي إلى المكلّفين المختلفين حسب الحالات و العوارض ممّا لا استهجان فيه لكفاية، انبعاث عدد معتدّ به من المكلّفين فيه.
إن قلت: أ ليست الخطابات منحلّة و متعدّدة بتعدّد الأشخاص؟
قلنا: ليس هنا الإرادة واحدة تشريعيّة متعلّقة بخطاب واحد و ليس الموضوع إلّا أحد