أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢ - المناقشة
بعد بعث الرسل و إنزال الكتب و تبليغ الأحكام و التكاليف إلى العباد، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و التبليغ و عروض اختفاء التكليف لبعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها» [٢].
و الجواب عنه: أنّ بعث الرسل في الآية كناية عن إتمام الحجّة كما مرّ، فتدلّ على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد البعث، و الشاهد عليه قوله تعالى في الآية اللاحقة: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ...» فهى تدلّ على أنّ الميزان في العذاب هو صدور الأمر و وقوع الفسق بعده، كما يشهد عليه أيضاً ما مرّ من قوله تعالى في سورة القصص: «وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...» لأنّها تصرّح بأنّ الملاك هو تلاوة الآيات لا مجرّد البعث.
الخامس: النقض بالمستقلّات العقليّة، فإنّه لا إشكال (كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة) في تعذيبه تعالى على ترك المستقلّات العقليّة، كقبح قتل النفس المحترمة و السرقة و الخيانة و غيرها من المعاصي التي يحكم بقبحها العقل مستقلًا، و لو وقعت قبل بعث الرسل.
و الجواب عنه: أنّ الآية منصرفة إلى أحكام تحتاج إلى البيان، و لا حاجة إلى البيان في المستقلّات العقليّة التي لا يصحّ فيها الاعتذار بقولهم: «لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى»، و لذلك يقال في مباحث العقائد أنّ من فوائد وجود النبي ٦ تأكيده المستقلّات العقليّة و التأسيس بالنسبة إلى غيرها.
فتلخّص ممّا ذكر أنّ جميع الإشكالات الواردة مندفعة، و إنّ الآية صالحة للاستدلال على أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة.
نعم إنّ النسبة بين هذه الآية و الأخبار التي استدلّ بها الأخباريون على الاحتياط هى نسبة الورود، فهى مورودة بتلك الأخبار لأنّ لسانها لسان قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بلا حجّة، و تلك الأخبار على فرض دلالتها بيان و حجّة، لكن تظهر ثمرتها في تأسيس الأصل الأولي في المسألة و أنّ الأصل هو البراءة، فيرجع إليها إذا ناقشنا في دلالة تلك الأخبار على الاحتياط.
[٢] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٣٣.