أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٣ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
ثمّ رفع يده عمّا يستظهر من كلامه إلى هنا (و هو كون «لا» ناهية) في ذيل كلامه، و قال:
«و ليعلم أنّ المدّعي أنّ حديث الضرر يراد به إفادة النهي عنه سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداءً أو أنّه استعمل في معناه الحقيقي، و هو النفي و لكن لينتقل منه إلى إرادة النهي ...
و ربّما كانت دعوى الاستعمال في معنى النفي مقدّمة للانتقال إلى طلب الترك أدخل في إثبات المدّعى، حيث لا يتّجه حينئذٍ ما يستشكل في المعنى الأوّل من أنّه تجوّز لا يصار إليه» (انتهى).
و قد ناقش في كلامه في تهذيب الاصول بأنّ «اطلاق النفي و إرادة النهي و إن كان شائعاً كما استشهد من الشواهد إلّا أنّه ليس بمثابة يكون من المجازات الراجحة عند تعذّر الحقيقة لأنّ استعماله في غيره أشيع منه، و إليك ما يلي من الروايات و الكلمات ممّا ورد على حذو هذا التركيب و قد اريد منه النفي بلا إشكال: لا طلاق إلّا على طهر، لا طلاق إلّا بخمس: شهادة شاهدين ... الخ، لا طلاق فيما لا تملك، و لا عتق فيما لا تملك، و لا بيع فيما لا تملك ... (إلى آخر ما أورده من الروايات و الكلمات)» [١].
أقول: لقائل أن يقول: إنّ هذه الموارد على خلاف المطلوب أدلّ فإنّها أيضاً مستعملة في النفي إلّا أنّ النهي فيها إرشاد إلى أحكام وضعية كالبطلان، نعم أنّها ترد على المحقّق شيخ الشريعة (رحمه الله) لو كانت مدّعاه أنّ «لا» في قوله ٦: «لا ضرر و لا ضرار» ظاهرة في النهي التكليفي فقط، فينقض كلامه حينئذٍ بالموارد المذكورة، حيث إنّه لا إشكال في أنّ «لا» فيها استعملت في الحكم الوضعي.
ثمّ قال في التهذيب بعد ذكر هذه الموارد: «نعم لو دار الأمر بين ما ذكره القوم، فما اختاره أرجح، لخلوّه عن كثير ممّا ذكرناه من الإشكال» [٢].
أقول: و في كلام شيخ الشريعة (رحمه الله) أمران: أحدهما: تامّ و الآخر: غير تامّ.
أمّا الأمر الذي ليس بتامّ فهو ما ادّعاه أوّلًا بأنّ «لا» في التراكيب المذكورة في كلامه اريد منها النهي لأنّ «لا» في جميعها حتّى في قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» و قوله تعالى: «لا مساس» مستعملة في معنى النفي كما يشهد عليه التبادر العرفي، فليس معنى قوله: «لَا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» لا ترفثوا و لا تفسقوا و لا تجادلوا في الحجّ، بل
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٨٠- ٤٨١، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] المصدر السابق: ص ٤٨١.