أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٠ - الضوابط الكلّية للجمع الدلالي العرفي
٢- أن يكون الخاصّ مخصّصاً (لا ناسخاً) و لكنّه كاشف عن صدوره في عصر النبي ٦ و وقت الحاجة به، فخفي علينا بأسباب مختلفة فظهر بيد الإمام ٧ فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و يشهد على إمكان هذا ما ثبت في التاريخ من منع كتابة الحديث في عصر بعض الخلفاء زعماً منهم أنّه يمسّ كرامة كتاب اللَّه و الاكتفاء به، كما تشهد عليه روايات تدلّ على أنّ كلّ ما قال به الأئمّة الهادون من أهل البيت : فإنّها من النبي ٦، و هى كثيرة، و قد جمعها في مقدّمة جامع أحاديث الشيعة فراجع.
٣- أن نلتزم بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا كان لمصلحة أهمّ، و هى مصلحة تدريجية بيان الأحكام، فكان تكليف السابقين هو العمل بالعموم ظاهراً مع إرادة الخصوص واقعاً.
و لقد أجاد المحقّق الحائري (رحمه الله) في درره حيث قال (في مقام الجواب عن أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح عقلًا): أنّ «تأخير البيان عن وقت العمل ليس علّة تامّة للقبح كالظلم حتّى لا يمكن تخلّفه عنه، و إذا لم يكن كذلك فقبحه فعلًا منوط بعدم جهة محسّنة تقتضي ذلك» [١].
أقول: يرد على الوجه الأوّل أنّ كثيراً من هذه التخصيصات من أخبار الآحاد، مع أنّ النسخ يحتاج إلى دليل قطعي كما قرّر في محلّه.
و على الوجه الثاني بأنّه من البعيد جدّاً صدور هذه المخصّصات الكثيرة غاية الكثرة من جانب الرسول ٦ و لم يصل إلينا شيء منها، و ما دلّ على أنّ رواياتهم : كلّها عن النبي ٦ يمكن أن يكون ناظراً إلى العلم الذي ورثوه عنه ٦ لا أنّ جميع ذلك صدر عنه ٦ بمرأى من الناس و مسمع منهم.
فيتعيّن الوجه الثالث و هو تأخيرها عن وقت الحاجة لمصلحة أهمّ.
نعم، هاهنا وجه رابع بالنسبة إلى كثير من هذه التخصيصات و التقييدات، يحتاج للدقّة، و هو أنّ كثيراً منها في الواقع تطبيقات لكبريات الكتاب و السنّة على مصاديقها (نظير التفريعات و المسائل العمليّة الواردة في الرسائل العمليّة التي لم يرد كثير منها في آية و لا رواية، و لكنّها من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى من جانب المجتهد) أو بيانات لتوضيح
[١] درر الاصول: ص ٦٨١، طبعة جماعة المدرّسين.