أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٨ - الضوابط الكلّية للجمع الدلالي العرفي
و استدلّ المشهور على مقالتهم بأنّ النسخ قليل و التخصيص كثير بمثابة حتّى يقال: «ما من عام إلّا و قد خصّ» فيوجب شيوع التخصيص و ندرة النسخ أن يكون ظهور الخاصّ في الدوام أقوى من ظهور العام في العموم.
و استدلّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) في مقابل المشهور بأنّ هذا البحث من صغريات البحث السابق، أي دوران الأمر بين التقييد و التخصيص، فإنّ النسخ هنا يرجع إلى تقييد الاطلاق الزماني للخاصّ، و التقييد مقدّم على التخصيص، لأنّ تقديم التخصيص أي تقديم الخاصّ متوقّف على ظهوره في الدوام و الاستمرار الزماني، و هو يستفاد من الاطلاق و مقدّمات الحكمة، فيكون معلّقاً على عدم البيان، و العموم الإفرادي للعام تنجيزي مستند إلى الوضع فيكون بياناً له.
و أجاب عن الوجه المعروف في ترجيح التخصيص على النسخ من غلبة الأوّل و ندرة الثاني، بأنّ هذا ممّا لا يوجب أقوائيّة ظهور الكلام في الاستمرار الأزماني من ظهور العام في العموم الإفرادي، إذ ليست غلبة التخصيص مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام و توجب اقوائيّة الظهور.
أقول: التحقيق في المسألة يستدعي تحليل ماهية النسخ أوّلًا، فنقول: الصحيح أنّ النسخ ابطال للإنشاء كالفسخ.
توضيح ذلك: أنّ للحكم مرحلتين: مرحلة الإنشاء و مرحلة الفعليّة، و بعبارة اخرى: مرحلة الإرادة الاستعماليّة و مرحلة الإرادة الجدّية، و التقييد بالمنفصل إنّما هو تصرّف في الإرادة الجدّية و هكذا التخصيص، و أمّا الإرادة الاستعماليّة فهى باقية بقوّتها بخلاف النسخ، فإنّه إبطال للإنشاء من حين وروده نظير الفسخ فإنّ الفاسخ في خيار الفسخ يبطل إنشاء البيع حين الفسخ، و هذا ممّا ندركه بوجداننا العرفي و ارتكازنا العقلائي في القوانين الجديدة العقلائيّة، فكما أنّ فيها تخصيصات و تقييدات يدرجونها تحت عنوان التبصرة، و هى تمسّ بإرادتهم الجدّية في القوانين السابقة، كذلك لهم نواسخ تتعلّق بإرادتهم الاستعماليّة بالنسبة إلى القوانين الماضية، و بالجملة أنّ النسخ هو الفسخ يتعلّق بالإنشاء (إلّا أنّ النسخ في القانون و الفسخ في المعاملات و العقود) فلا يكون من قبيل التقييد الذي يتعلّق بالإرادة الجدّية.
هذا مضافاً إلى أنّ الإنشاء في القوانين كالإيجاد، و يكون بذاته باقياً في عالم الاعتبار إلى