أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٧ - المقام الثاني لما ذا ليس الأصل المثبت بحجّة
الثالث: ما أفاده المحقّق الحائري في الدرر، و حاصله: عدم شمول إطلاقات الأخبار لما نحن فيه، لوجود القدر المتيقّن، بل لانصرافها إلى الآثار الشرعيّة بلا واسطة لأنّ الإبقاء العملي للشيء ينصرف إلى إتيان ما يقتضيه ذلك الشيء بلا واسطة» [١].
أقول: أمّا كلام المحقّق الخراساني فيرد عليه ما قرّر في محلّه من منع ما تبنّاه في مقدّمات الحكمة و إنّ منها عدم وجود القدر المتيقّن فإنّ لازمه سقوط أغلب المطلقات عن الاطلاق لأنّ القدر المتيقّن فيها موجود، و لا أقلّ من موارد سؤال الرواة، مع أنّ سيرة الفقهاء و ديدنهم على أخذ الاطلاق فيها و إنّ المورد ليس بمخصّص.
و أمّا ما أفاده الشيخ الأعظم فيرد عليه أيضاً ما أورده المحقّق الخراساني عليه من أنّ أثر الأثر أثر، فلا مانع عقلًا من تنزيل المستصحب بلحاظ مطلق ما له من الأثر و لو بالواسطة [٢].
و الصحيح في المقام ما ذهب إليه المحقّق الحائري من أنّ الإطلاقات منصرفة إلى الآثار الشرعيّة بلا واسطة، و لتوضيحه لا بأس بإتيان أمثلة يكون الوجدان أقوى شاهد على انصراف الأدلّة عنها:
منها: ما جاء في بعض الكلمات من أنّه إذا كان في الحوض كرّ من الماء، ثمّ وجدناه فارغاً من الماء و قد سقط فيه ثوب في البارحة و كان نجساً و كان ينغسل لو كان الماء باقياً. فإنّه لا إشكال في أنّ استصحاب بقاء الماء حين سقوط الثوب لا يثبت الانغسال الذي يكون من الآثار العقليّة لبقاء الماء، حتّى يترتّب عليه أثره الشرعي و هو الطهارة.
[١] راجع درر الفوائد: ج ٢ ص ٥٥٤، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] نعم أنّه رجع عن ذلك في الهامش (هامش ص ٤١٥ من الكفاية طبع مؤسسة آل البيت) بقوله: «و لكن الوجه عدم صحّة التنزيل بهذا اللحاظ، ضرورة أنّه ما يكون شرعاً لشيء من الأثر لا دخل له بما يستلزم عقلًا أو عادة، و حديث أثر الأثر أثر و إن كان صادقاً إلّا أنّه إذا لم يكن الترتيب بين الشيء و أثره بينه و بين مؤثّره مختلفاً، و ذلك ضرورة أنّه لا يكاد يعدّ الأثر الشرعي لشيء أثراً شرعياً لما يستلزمه عقلًا أو عادة أصلًا، لا بالنظر الدقيق العقلي و لا النظر المسامحي العرفي، إلّا فيما عدّ أثر الواسطة أثراً لذيها لخفائها أو شدّة وضوح الملازمة بينهما بحيث عدّا شيئاً واحداً ذا وجهين و أثر أحدهما أثر الاثنين» (انتهى).
أقول: ما ذكره صحيح بالنسبة إلى الدقّة العقليّة، و لكن بالنظر العرفي غير مقبول، فهل هناك مانع من أن يقول شارع المقدّس: رتّب الآثار الشرعيّة للمستصحب و لو بالف واسطة، إنّما الإشكال في عدم شمول الإطلاقات لمثلها، و إلّا لا ينبغي الشكّ في إمكان جعل آثار الواسطة أثراً لذي الواسطة عرفاً فتأمّل.