أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٧ - المسألة الثالثة جواز القضاء للمجتهد المطلق
أوّلًا: ليس بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم على رجوعه إلى العالم بالحكم فقط، بل إنّه استقرّ على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً سواء كان عالماً بالحكم أو بمطلق الحجّة و مواقع العذر، و إن هو إلّا نظير البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي على القول بالانفتاح، بل نظير تمام الأمارات على مبنى القائلين بالمنجّزية و المعذّريّة، حيث إنّ مفاد أدلّة حجّية الأمارة حينئذٍ ليس حكماً شرعياً حتّى يكون العالم به عالماً بالحكم، بل إنّ مفاده حينئذٍ قضيتان شرطيّتان و هما: إن أصاب الواقع فهو منجّز و إن خالف الواقع كان معذّراً.
ثانياً: في قوله أنّ مقدّمات الانسداد لا تكاد تجري بالنسبة إلى غير المجتهد- أنّ الفقيه المجتهد يكون كالنائب عن جميع الناس يكشف مواقع الأدلّة في حقّهم، و لا يخفى وضوح هذا المعنى في كشفه عن أحكام لا ترتبط به نفسه، كالأحكام المختصّة بالنساء في الحيض و النفاس و غيرهما، فهو كالنائب عنهنّ في تشخيص موارد الأدلّة، و كذلك الكلام عن انسداد باب العلم.
فإنّه لو رأى انسداد باب العلم فكأنّه رأى انسداده لجميع الناس، فليكن رأيه حجّة لجميعهم.
ثالثاً: أنّ المجتهد الانسدادي لو فرض كونه أعلم من غيره فكيف يعدّ جاهلًا بالحكم، و غيره الانفتاحي عالماً بالحكم، مع أنّ المجتهد الانفتاحي قد يكون من أقلّ تلامذته و يكون جاهلًا مركّباً في نظره؟
فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا وجه للتفصيل بين الانسدادي و الانفتاحي في حجّية قول المجتهد المطلق لغيره.
المسألة الثالثة: جواز القضاء للمجتهد المطلق
قد يقال: أنّ مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة لمكان التعبير ب «حكم بحكمنا» و «عرف أحكامنا» اختصاص نفوذ قضاء المجتهد المطلق بما إذا كان انفتاحياً، حيث إنّ الانسدادي ليس عالماً بالحكم و عارفاً بالأحكام.
و لكن الجواب هو الجواب، و هو أنّ المراد من الحكم إنّما هو مطلق الحجّة، فالعارف بالحجج أيضاً يعدّ عارفاً بالأحكام، كما أنّ الحاكم بالحجّة أيضاً يكون حاكماً بالحكم.