أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٣ - ١- جواز التقليد للعامي
للعدول، و هذا بخلاف ما إذا قلنا أنّ التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل، لأنّه حينئذٍ لم يتحقّق منه تقليد المجتهد ليحرم عليه العدول بل لا يكون رجوعه لغيره عدولًا من مجتهد إلى مجتهد آخر [١].
و لكن يرد عليه: أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان دليل الجواز على البقاء على تقليد الميّت أو العدول من حي إلى آخر هو معاقد الإجماعات المشتملة على لفظ التقليد، و لكن قد عرفت في السابق و سيأتي مشروحاً إن شاء اللَّه أنّه ليس كذلك، فهذه الثمرة أيضاً ساقطة.
مسائل التقليد
و يقع البحث فيه في ثلاث مقامات:
١- جواز التقليد للعامي
لا إشكال في أنّه لا بدّ من أن يكون العامي مجتهداً في خصوص هذه المسألة التي لا مئونة لاستنباطها و اجتهادها، فإنّ لزوم رجوع الجاهل إلى العالم أمر ارتكازي لجميع العقلاء، و سيأتي أنّ المهمّ و العمدة في باب التقليد إنّما هو بناء العقلاء، و ما يشاهد من أنّهم يكتبون في ابتداء رسائلهم العمليّة من أنّه لا بدّ للعامي أن يجتهد في خصوص هذه المسألة فهو لمجرّد تقريب الذهن و إرشاد العامي.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه استدلّ لجواز التقليد بأُمور أربع:
الأمر الأوّل: (و هو العمدة في المسألة) سيرة العقلاء في جميع أعصار و أنحاء العالم و جميع الصنائع و التجارات و الزراعات و العلوم المختلفة البشريّة كعلم الطب و شعبه المتفاوتة (طبّ الإنسان و طبّ الحيوان و طبّ النبات) و غيره من سائر العلوم، بل جميع المجتهدين و المتخصّصين للعلوم البشريّة يكون تخصّصهم و اجتهادهم في فنون طفيفة معدودة، و أمّا بالإضافة إلى سائر الفنون و الحرف فيكونون مقلّدين، فالمجتهد في علم الفقه مثلًا يقلِّد الأطباء
[١] التنقيح: ج ١، ص ٨١- ٨٢.