أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤١ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
الحديث النهي عن اضرار الناس بعضهم ببعض، نظير قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ» الذي ينهى عن الرفث و الفسوق و الجدال في الحجّ، و قول السامري: «لَا مِسَاسَ» أي «لا تمسّني» و نتيجة هذا القول أيضاً سقوط القاعدة عن حكومتها على سائر الأحكام و تنزّلها إلى مجرّد نهي تكليفي عن اضرار الناس بعضهم ببعض، كما أنّ قوله تعالى: «وَ لَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» ينهى عن الغيبة فحسب، فيخرج حينئذٍ عن نطاق القواعد الفقهيّة إلى حكم فرعي خاصّ.
و أمّا القول الخامس، (و هو ما ذهب إليه في تهذيب الاصول) فهو أن تكون «لا» ناهية أيضاً لكن بأن يكون النهي نهياً سلطانياً صدر عن رسول اللَّه ٦ بما هو سائس الملّة و سلطانها، و قال في توضيح مرامه ما حاصله [١]: أنّ للنبي الأكرم مقامات ثلاثة: الأوّل: مقام الإفتاء و بيان الأحكام الشرعيّة، الثاني: منصب القضاء و فصل الخصومة، الثالث: مقام السلطنة الإلهيّة (و ما يسمّى اليوم بولاية الفقيه، و هو مقام إجراء [٢] الأحكام الإلهيّة التي ترتبط بالحكومة، و الأحكام الحكوميّة السلطانيّة) و قاعدة لا ضرر داخلة في القسم الثالث فهى مجرّد حكم سلطاني صدر من الرسول ٦ في قضيّة سمرة تحديداً لقاعدة السلطنة عن الأموال [٣].
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٣، ص ١١٢.
[٢] كما صرّح به في كتاب البيع (ج ٢، ص ٤٦١) و إليك نصّ كلامه بالحرف: «فالإسلام أسّس حكومة لا على نهج الاستبداد المحكّم فيه رأي الفرد ... بل حكومة تستوحي و تستمدّ في جميع مجالاتها من القانون الإلهي، و ليس لأحد من الولاة الاستبداد برأيه، بل جميع ما يجري في الحكومة و شئونها و لوازمها لا بدّ و أن يكون على طبق القانون الإلهي حتّى الإطاعة لولاة الأمر، نعم للوالي أن يعمل في الموضوعات على طبق الصلاح للمسلمين ... و نفس بقاء تلك الأحكام (الأحكام المتعلّقة بالماليات أو السياسيات أو الحقوق) يقضي بضرورة حكومة و ولاية تضمن حفظ سيادة القانون الإلهي و تتكفّل لإجرائه، و لا يمكن إجراء أحكام اللَّه إلّا بها، لئلّا يلزم الهرج و المرج، مع أنّ حفظ النظام من الواجبات الأكيدة و اختلال امور المسلمين من الامور المبغوضة، و لا يقوم ذا و لا يسدّ عن هذا إلّا بوالٍ و حكومة. مضافاً إلى أنّ حفظ ثغور المسلمين عن التهاجم و بلادهم عن غلبة المعتدين واجب عقلًا و شرعاً، و لا يمكن ذلك إلّا بتشكيل الحكومة، و كلّ ذلك من أوضح ما يحتاج إليه المسلمون ...» فتلاحظ أنّ وظيفة الفقيه الحاكم إجراء الأحكام الإلهيّة (التي منها حفظ النظام و حفظ ثغور المسلمين) و تشخيص موضوعات الأحكام و تعيين حدودها، فتدبّر جيّداً، و اطلب تفصيل الكلام من محلّه و هو دراساتنا في البيع (كتاب أنوار الفقاهة، ج ١).
[٣] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٨١- ٤٨٢، طبع جماعة المدرّسين.