أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٤ - التنبيه السابع عشر تقدّم الأمارات على الاستصحاب
باليقين لا نقض اليقين بالشكّ، فتأمّل.
و يمكن تبيين هذا المعنى من طريق آخر و هو أنّ المراد من الشكّ في أدلّة حجّية الاستصحاب هو الحيرة الحاصلة من عدم وجود طريق إلى الواقع، فإذا قامت عنده الأمارة التي هى من الطرق المعتبرة لم تبق له حيرة و لا يصدق عليه أنّه سالك بلا طريق، فكأنّ معنى الشكّ عند العرف في أمثال المقام أضيق من الشكّ الفلسفي، كما أنّ اليقين عندهم أوسع من اليقين الفلسفي، و حينئذٍ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين بالأمارة أنّه نقض اليقين بالشكّ بل يصدق عليه عند العرف أنّه نقض لليقين باليقين.
و يؤيّد ما ذكرنا ما مرّ من أنّ من أدلّة حجّية الاستصحاب هو بناء العقلاء، و لا إشكال في أنّهم يعتمدون على الاستصحاب في خصوص موارد التردّد و الحيرة، و أمّا إذا قامت أمارة على تقنين قانون جديد مثلًا أو على عزل الوكيل عن وكالته فلا يجرون استصحاب بقاء القانون السابق أو استصحاب الوكالة كما لا يخفى.
فظهر أنّ الحقّ كون الأمارات واردة على الاستصحاب، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الحكومة (و هى أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى دليل آخر إمّا إلى موضوعه أو إلى متعلّقه أو إلى حكمه، توسعة أو تضييقاً بالدلالة المطابقيّة أو التضمّن أو الالتزام البيّن، و ذلك لأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد مثلًا عند الدقّة و التحليل ناظرة إلى أدلّة الاصول، فإنّ مقتضى مفهوم آية النبأ (أي عدم لزوم التبيّن في خبر العادل) مثلًا إنّ ما أخبر به العادل مبيّن (و لذلك لا يحتاج إلى التبيّن) و لا إشكال في أنّ معناه عدم ترتيب آثار الشكّ، و هكذا بالنسبة إلى قوله ٧ «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان» إذ إنّ معناه لزوم معاملة العلم مع ما أخبر عنه الثقة و عدم ترتيب آثار الشكّ، و لعلّ تسمية الشاهدين العدلين باسم البيّنة كانت من هذه الجهة، أي إذا شهدت البيّنة على شيء فرتّب عليه آثار العلم تعبّداً و لا ترتّب آثار الشكّ، و ليس هذا إلّا من باب أنّ أدلّة هذه الأمارات حاكمة على أدلّة الاصول و ناظرة إليها و مضيّقة لدائرتها بغير موارد قيام الأمارة، فظهر ممّا ذكرنا أنّ إنكار المحقّق الخراساني للحكومة هنا في غير محلّه.
و لو تنزّلنا عن ذلك فيمكن أن يقال بالتخصيص في الجملة، أي التوفيق العرفي بين أدلّة الأمارات و أدلّة الاستصحاب بتخصيص عموم الاستصحاب بموارد قيام الأمارة، و الإنصاف أنّه يتصوّر بالنسبة إلى بعض الأمارات قطعاً، نظير موارد قيام قاعدة اليد، حيث إنّه لو لم تكن اليد مقدّمة على الاستصحاب و مخصّصة لأدلّته، لما بقي لقاعدة اليد مورد، و ذلك لأنّها في جميع