أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧ - الثالث دليل العقل
الاحتماليّة باعثيّة و محرّكية كما في سائر الأغراض و المصالح و المفاسد و المضارّ و المنافع و إلّا يلزم تعطيل الزراعات و التجارات و الصناعات و غيرها حيث إنّ الحصول على المنفعة فيها أمر احتمالي في الغالب فكما يتحرّك العبد في منافعه الشخصيّة بالاحتمال و الظنّ كذلك يمكن أن يتحرّك و ينبعث في المنافع الاحتماليّة لمولاه.
و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) هنا بيانان: أحدهما: مبنيّ على ما تبنّاه في حقيقة الحكم فقال:
«إنّ الحكم الحقيقي متقوّم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقوليّة الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي، و حينئذٍ فلا تكليف حقيقي مع عدم الوصول فلا مخالف للتكليف الحقيقي فلا عقاب» [١].
الثاني: ما حاصله إنّ الواجب على العبد إنّما هو عدم الخروج عن رسم العبودية، و مخالفة ما قامت عليه الحجّة خروج عن رسم العبوديّة [٢].
أقول: أمّا البيان الأوّل فمبناه غير مقبول، لأنّ للحكم مراحل، و كلامه بالنسبة إلى بعض مراحله ليس تامّاً فإنّه إذا تيقّن العبد بغرض المولى فهو مسئول في قباله بحكم العقل و إن لم يبيّن المولى غرضه و لم يصدق عليه عنوان الحكم، و بتعبير آخر: سلّمنا أنّ الحكم متقوّم بالبيان و لكن الأغراض ليست متقوّمة به (على الأقل الأغراض اليقينية) و ما ذهب إليه صحيح إذا دار وجوب الإطاعة مدار الأحكام فقط لا الأحكام و الأغراض كليهما مع أنّ الصحيح هو الثاني لا الأوّل.
و أمّا البيان الثاني فإنّه أيضاً مصادرة على المطلوب لأنّا نعتقد بأنّ لا خروج عن رسم العبوديّة كما يصدق بمخالفة ما قامت عليه الحجّة كذلك يصدق في المحتملات و المشكوكات.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ العقل لا يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بل يحكم بخلافه، نعم إنّها قاعدة عقلائيّة استقرّ عليها بناء العقلاء، و الفرق بين الصورتين إنّه إذا كانت القاعدة قاعدة عقليّة فلا معنى لتحديدها و الاستثناء منها بالنسبة إلى مورد دون مورد لأنّ القاعدة العقليّة لا استثناء فيها و لا تخصيص ما دام الموضوع باقياً بخلاف القاعدة العقلائيّة فإنّه لا بدّ من تعيين حدودها و قيودها، و هى في المقام أربعة على الأقل:
[١] نهاية الدراية: ج ٢، ص ١٩٠، من الطبع القديم.
[٢] نهاية الدراية: ج ٢، ص ١٩١، من الطبع القديم.