أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥ - الثالث دليل العقل
المستقلّات العقليّة بعد الفحص و اليأس عن الدليل (و سيأتي مقدار الفحص الواجب)، بل قال شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله) في درره: إنّ هذه قاعدة مسلّمة عند العدليّة لا شبهة لأحد فيها (إلّا أن يكون هناك رافع يعني البيان) [١].
لكن يمكن التشكيك في هذه القاعدة بوصف أنّها قاعدة عقليّة محضة بعد ذكر مقدّمة في ملاك وجوب إطاعة اللَّه و قبح معصيته، فنقول: الملاك في وجوب الإطاعة إمّا أن يكون وجوب شكر المنعم فتجب طاعته تبارك و تعالى بالإطلاق من باب أنّها من مصاديق شكر المنعم الحقيقي المطلق كما تجب طاعة الوالدين في الجملة على الولد من باب أنّهما منعمان له في الجملة، أو يكون الملاك الحكمة فإنّ حكمة الباري تعالى تقتضي وجود مصلحة في أوامره و مفسدة في نواهيه، فيحكم العقل بوجوب الإطاعة عن أوامره و نواهيه للحصول على مصالحها و مفاسدها، أو يكون الملاك المالكية و المولويّة فالعقل يحكم بأنّ ترك الطاعة بالنسبة إلى الموالي العرفيّة فضلًا عن المولى الحقيقي ظلم قبيح.
ثمّ نقول: أمّا الملاك الأوّل: فيمكن النقاش فيه بأنّ مردّه إلى قولنا: هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان، أي وجوب الإحسان في مقابل الإحسان، و هو لا يتصوّر بالنسبة إلى الباري تعالى لأنّه يتوقّف على وجوب الفقر و الحاجة، تعالى اللَّه عنها علوّاً كبيراً.
و لذلك أرجع علماء علم الكلام هذه القاعدة إلى قاعدة وجوب دفع الضرر ببيان أنّ عدم شكر المنعم قد يكون لسلب النعمة و حصول الضرر على المنعَم (بالفتح) و حينئذٍ لا تكون هذه القاعدة من المستقلّات العقليّة و من مصاديق قاعدة حسن العدل و قبح الظلم.
و أمّا الملاك الثاني: (و هو الحكمة)، فيناقش فيه أيضاً بأنّ لازمه إرشادية جميع الأوامر و النواهي الشرعيّة كأوامر الطبيب و نواهيه، فيتوجّه إلى المكلّف العاصي نفس المفسدة الموجودة في متعلّق النهي فحسب أو سلب المصلحة اللازمة في الأوامر منه مع إنّا نقول بالمولويّة و استحقاق ثواب و عقاب اخرويّين يترتّبان على الفعل و الترك.
و أمّا الملاك الثالث: فهو الأصل و الصحيح في وجوب الإطاعة و قبح المعصية لأنّ رجوعه إلى قبح الظلم بمعناه الواسع و هو وضع الشيء في غير موضعه.
[١] درر الفوائد: ص ٤٢٧، طبع جماعة المدرّسين.