أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٠ - الأمر السادس جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل و عدمه
وعليه فإذا تخلّف قيد من قيود الموضوع و حالة من حالاته فإن كان دخيلًا في الموضوع بنظر العقل فالحكم العقلي غير باقٍ قطعاً، و هكذا الحكم الشرعي المستند إليه، و إن لم يكن دخيلًا فيه فالحكم العقلي باقٍ كذلك، فإذا حكم العقل مثلًا بحرمة السمّ المضرّ، و انتفى الإضرار من السمّ فإن كان الاضرار دخيلًا بنظره في الموضوع فلا حرمة يقيناً، و إن لم يكن دخيلًا فالحرمة باقية يقيناً، وعليه فلا استصحاب على شيء من التقديرين بلا شبهة، (انتهى ملخّص كلماته في هذا المقام) [١].
و لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) أورد عليه بأنّ تطرّق الإهمال إلى موضوع حكم العقل ممّا يعقل في الجملة، بمعنى أنّه يمكن أن يستقلّ العقل بحكم خاصّ على موضوع مخصوص مع وجود حالة مخصوصة فيه، لكن من غير أن يدرك دخلها في المناط على نحو إذا انتفت الحالة أدرك فقد المناط فيه بل يدرك فقط تحقّق المناط مع وجود الحالة فيستقلّ بالحكم، و لا يدرك تحقّق المناط مع انتفاء الحالة فلا يستقلّ بالحكم و لا بانتفائه، وعليه فلا مانع حينئذٍ عن استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بحكم العقل بعد انتفاء الحالة المخصوصة، و ذلك لليقين السابق كما هو المفروض، و الشكّ اللاحق نظراً إلى احتمال عدم دخل الحالة في المناط أصلًا، و لبقاء الموضوع عرفاً إذا فرض عدم كون الحالة من مقوّمات الموضوع، بل من حالاته المتبادلة.
و بعبارة اخرى: أنّه لا مانع من عدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بقاءً مع وجود الملازمة بينهما حدوثاً، و ذلك لأنّه قد يكون الموضوع في الواقع و في نظر الشارع أوسع من الموضوع في نظر العقل، أو يكون هناك ملاكان مختلفان للحكم زال أحدهما المعلوم عند العقل و بقي الآخر المجهول عنده، و المعلوم عند الشارع العالم بالخفيّات، فيحتمل بقاء الحكم بعد زوال حكم العقل، فيستصحب مع بقاء الموضوع في نظر العرف (انتهى).
أقول: الإنصاف أنّ الحقّ في المسألة مع الشيخ الأعظم (رحمه الله) لأنّه و إن كان ركنا الاستصحاب (و هو اليقين السابق و الشكّ اللاحق) موجودين في ما نحن فيه، لكن الكلام في وحدة الموضوع المعتبرة في الاستصحاب، و هى منتفية في المقام، و ذلك لأنّ الأحكام المتعلّقة
[١] راجع فرائد الاصول: مبحث الاستصحاب، التنبيه الثالث، و ذيل البحث عن تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدالّ على المستصحب.