أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٨ - الأمر الخامس هل الاستصحاب من الاصول أو الأمارات؟
مقام العمل، فالفرق بينهما إنّما هو في مقام علّة الحجّية فحسب.
إذا عرفت هذا فنقول: الظاهر أنّ التفصيل المزبور من الشيخ الأعظم (رحمه الله) في غيره محلّه لأنّ للعقلاء أيضاً اصولًا و أمارات فإنّهم يجرّون البراءة مثلًا في الأحكام الجارية بين الموالي و عبيدهم و بين الحكّام و رعاياهم و الرؤساء و المرئوسين، و في الموضوعات في الجرائم و المسائل الحقوقيّة، مع أنّه لا نزاع في أنّ البراءة من الاصول العمليّة، فمجرّد كون الدليل بناء العقلاء لا يكون دليلًا على الأمارية بل يوافق كون المورد أصلًا أو أمارة، فلا بدّ إذن من ملاحظة كيفية بناء العقلاء و خصوصيته حتّى يتبيّن أنّ نظرهم هل هو إلى جهة الكشف حتّى يكون المورد أمارة، أو إلى مجرّد رفع الحيرة حتّى يكون المورد من الاصول؟ و سيأتي بيان هذا بالنسبة إلى الاستصحاب فانتظر.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) فرّق في الاصول العمليّة بين المحرزة منها و غير المحرزة و قال:
ليس معنى الأصل المحرز كونه طريقاً إلى المؤدّي، بل معناه هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع و إلغاء الطرف الآخر، فالمجعول في الأصل المحرز هو الجهة الثالثة من العلم الطريقي، و هى الحركة و الجري العملي نحو المعلوم، فالإحراز في باب الاصول المحرزة غير الإحراز في باب الأمارات، فإنّ الإحراز في باب الأمارات هى إحراز الواقع مع قطع النظر عن مقام العمل، و أمّا الإحراز في باب الاصول المحرزة فهو الإحراز العملي في مقام تطبيق العمل على المؤدّي، فالفرق بين الإحرازين ممّا لا يكاد يخفى. و أمّا الاصول غير المحرزة فالمجعول فيها مجرّد التطبيق العملي على أحد طرفي الشكّ من دون البناء على أنّه هو الواقع، فهو لا يقتضي أزيد من تنجيز الواقع عند المصادفة و المعذورية عند المخالفة، و هو الذي كان يقتضيه العلم من الجهة الرابعة. (انتهى) [١].
أقول: هذا التقسيم ممّا لا محصّل له، لأنّ حجّية الاستصحاب إمّا أن تكون ناشئة عن كشفه للواقع أو لا، فعلى الأوّل يكون أمارة لا أصلًا، و على الثاني يكون أصلًا لا أمارة، و ليس
[١] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٤٨٦، طبع جماعة المدرّسين.