أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣ - الرابع الإجماع
الذي من جهة عدم قابلية المحل و اللاحرجيّة القهريّة يرتفع قهراً بواسطة البلوغ، إذ معنى هذا العدم عدم وضع قلم التكليف عليه و بعد التكليف و البلوغ تبدّل هذا العدم قطعاً و وضع عليه قلم التكليف فلا مورد للاستصحاب» [١].
أقول: إنّ ما ذكره بالنسبة إلى عدم التكليف في غير المميّز صحيح لا غبار عليه إلّا أنّ المستصحب ليس هو هذا العدم بل إنّه العدم المتّصل بزمان البلوغ المتقدّم عليه بزمان يسير.
و إن شئت قلت: إنّه عبارة عن العدم حال كون الصغير مميّزاً و مراهقاً، حيث إنّه لا شكّ في أنّ حال الصبي في هذا الزمان لا يختلف عن حاله أوّل البلوغ من حيث القابلية و عدمها، و لذلك نقول بشرعية عبادات الصبي كما اختاره المحقّقون و إنّه مشمول للخطابات الاستحبابيّة، فإنّه المراد من رفع القلم عند رفع الإلزام عنه، أي رفع الواجبات و المحرّمات، كما أنّه مقتضى التعبير بالرفع المقابل للوضع حيث يناسب وجود أمر ثقيل يثقل على عاتق المكلّف كما مرّ بيانه في حديث الرفع.
و منها: أنّ استصحاب عدم الحرمة معارض مع استصحاب عدم الإباحة، لأنّ المرفوع قبل البلوغ جميع الأحكام الخمسة حتّى الإباحة.
و قد ظهر جوابه ممّا مرّ آنفاً من أنّ المرفوع في حديث رفع القلم إنّما هو خصوص الإلزامات، مضافاً إلى أنّ التعارض يتصوّر فيما إذا كانت الإباحة من الامور الوجودية القابلة للجعل لا ما إذا كانت من الامور العدمية و عبارة عن مجرّد عدم الحرمة و الوجوب كما قيل.
و منها: ما سيأتي من المختار في مبحث الاستصحاب من عدم حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكميّة خلافاً لما ذهب إليه مشهور الاصوليين بعد الشيخ (رحمه الله).
هذا كلّه هو أدلّة الاصوليين للبراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة، و حاصل أكثرها عدم العقاب بلا بيان، و لذا لا موضوع لها في صورة تمامية أدلّة الأخباريين، و التعبير بالأكثر يكون في مقابل بعض تلك الأدلّة من قبيل رواية «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» بناءً على أنّ المراد من مرجع الضمير في كلمة «فيه» النهي الخاصّ. إذ إنّه لا حكومة لأدلّة أخباريين على هذا الدليل و أمثاله كما هو واضح.
[١] راجع منتهى الاصول: ج ٢، ص ٣٢١، للمحقّق البجنوردي (رحمه الله) تقريراً لكلام استاذه.