أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٥ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
و يرد عليه: أنّه لو ثبت لنا اتّحاد مسلك النبي ٦ و الأئمّة المعصومين مع سائر العقلاء و دخولهم فيهم من هذه الجهة بالروايات المعتبرة الدالّة على أفعالهم في هذه الموارد، فبها و نعم المطلوب، لكن لقائل أن يمنع عن ذلك و يقول: لم يرد بناءهم العملي في هذه الموارد بالروايات المأثورة عنهم، نعم يمكن أن يقال: إنّ عمل العقلاء كان في مسمع و منظر منهم و كانوا ساكتين عنه، و لكنّه هو معنى الحاجة إلى امضائهم في إثبات الحجّية.
و الإشكال الثالث: هو ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ بناء العقلاء على إبقاء الحالة السابقة و إن كان غير قابل للإنكار في الجملة، إلّا أنّه لم يعلم أنّ ذلك من جهة التعبّد بالشكّ و الأصل العملي، أو من جهة الأماريّة و الكشف عن الواقع، إذ يبعّد الأوّل عدم تعقّل بناء من العقلاء على صرف التعبّد بالشكّ من دون أماريّة و كاشفية ... كما أنّه يبعّد الثاني عدم وجود شيء في المقام يكون كاشفاً عن الواقع في ظرف الشكّ، إذ اليقين السابق لا أماريّة له في ظرف الشكّ، و نفس الشكّ لا أماريّة له أيضاً كما هو ظاهر، إلّا أن يقال: إنّ التعبّد بالشكّ من العقلاء و إن لم يكن في نفسه معقولًا، إلّا أنّه يمكن أن يكون ذلك بإلهام [١] من اللَّه تعالى حتّى لا يختلّ امور معاشهم و معادهم، فإنّ لزوم اختلال النظام مع التوقّف عن الجري في الحالة السابقة مع الشكّ واضح، فلأجله جعل اللَّه الجري على طبقها من المرتكزات في أنفسهم مع عدم وجود كاشف عن تحقّقها أصلًا [٢].
أقول: و كلامه (رحمه الله) لا يخلو من نظر:
أمّا أوّلًا: فلأنّ ما أفاده من «أنّ بناءهم إلهام إلهي و إنّ فطرتهم جرت على ذلك» بنفسه دليل على وجود التعبّد لهم، فإنّهم يلاحظون بعض الامور كأصالة البراءة، و أنّه لا كاشفية لها بالنسبة إلى الواقع، و لكن يجعلون بناءهم على ذلك من باب أنّ عدمه يوجب اختلال النظام، و من هذا القبيل باب الحقوق و الجرائم، فما دام لم يثبت جرم أحد، أو كونه مديوناً، لا يحكم عليه بالجرم و الدين، و يمكن أن يكون بناؤهم على الاستصحاب أيضاً من هذا القبيل، و لا أقلّ من إمكانه ثبوتاً، و بالجملة أنّ للعقلاء اصولًا و أمارات، بل يمكن أن يقال: إنّ لجميع الاصول
[١] و هذا نظير ما قد يقال في باب قيمة الذهب في جميع الأعصار و الأمصار من أنّها نوع من الإلهام الغيبي لتنظيم معاشهم الاقتصادي.
[٢] أجود التقريرات: ج ٢، ص ٣٥٧.