أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٢ - الأمر السادس الفرق بين التعارض و التزاحم
لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فقد يقال: إنّ المنطوق أقوى ظهوراً من المفهوم، لأنّ الكلام إنّما سيق لبيان المنطوق، و المفهوم أمر تبعي و لازم للمنطوق، و لكنّ الإنصاف أنّ هذا دعوى بلا دليل بل كثيراً ما يساق الكلام لبيان المفهوم. كقولك: «سافر إن كان الطريق آمناً» فيما إذا كان مرادك النهي عن السفر في صورة عدم الأمن.
فالصحيح أن يقال: إنّ المقامات مختلفة، و المتّبع هو الضوابط الخاصّة و القرائن المكتنفة بالكلام، فيسقط الطريق الأوّل عن كونه ضابطة كلّية للجمع الدلالي.
٥- إذا دار الأمر بين التخصيص و المجاز، و بعبارة اخرى: دار الأمر بين التصرّف في أصالة العموم أو رفع اليد عن أصالة الحقيقة، كقوله: «لا تكرم الفسّاق» مع قوله: «لا بأس بإكرام زيد الفاسق» فكما يمكن رفع اليد عن العموم بالتخصيص، كذلك يمكن رفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة و حملها على الكراهة حتّى تجتمع مع عدم البأس.
و لا يخفى أنّ نظيره في الفقه كثير، فإنّه يتصوّر أيضاً فيما إذا كان العام بصيغة الأمر، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور العام في العموم و رفع اليد عن ظهور هيئة الأمر في الوجوب و حملها على الاستحباب.
و الصحيح في هذه الموارد تقديم التخصيص على المجاز لأنّه أمر شائع معروف، و الأوامر التي تحمل على الاستحباب أو النواهي التي تحمل على الكراهة و إن كانت كثيرة إلّا أنّ تخصيص العام أكثر و أظهر.
نعم، قد يقدّم المجاز في هذه الموارد على التخصيص لبعض القرائن الخاصّة و الضوابط الجزئيّة كما لا يخفى على من له إلمام بالمسائل الفقهيّة المناسبة للمقام.
الأمر السادس: الفرق بين التعارض و التزاحم
لا إشكال في أنّ المراد من التزاحم هنا ليس هو التزاحم في الملاكات بالنسبة إلى فعل واحد، كما إذا كان في فعل واحد جهة مصلحة تقتضي إيجابه، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه، فليس للمكلّف دخل في هذا التزاحم، بل أمره و ملاحظة الجهات و ما هو الأقوى من الملاكات