أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٦ - الأوّل الأخبار
منها: مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله ٧ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللَّه أن يكفر به، قال اللَّه تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللَّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا رادّ على اللَّه و هو على حدّ الشرك باللَّه، فإن كان كلّ واحد اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم (حديثنا) فقال:
الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضّل (ليس يتفاضل) واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتّبع و أمر بيّن غيّه فيجتنب و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللَّه و إلى رسوله، قال رسول اللَّه ٦: حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم، قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة، قلت: جعلت فداك إن رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة و الآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد، فقلت: جعلت فداك فإن وافقها الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» [١].
[١] الوافي: ج ١، أبواب العقل و العلم، باب اختلاف الحديث و الحكم، ص ٢٨٥- ٢٩٠ ح ١٣، طبعة مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي ٧.