أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٤ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
المشتبه في أمرين أو امور و العقاب على مخالفة هذا التكليف، و أمّا الشرع فلم يرد فيه ما يصلح للمنع عدا ما ورد من قولهم : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» و «كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» و غير ذلك. و لكن هذه الأخبار و أمثالها لا يصلح للمنع لأنّها كما تدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم إجمالًا لأنّه أيضاً شيء علم حرمته»، انتهى.
فحاصل استدلال الشيخ الأعظم (رحمه الله) لحرمة المخالفة القطعيّة أنّ المقتضي (و هو إطلاقات أدلّة الأحكام و عموماتها) موجود، و المانع (و هو البراءة العقليّة و النقليّة) مفقود، و قد تبعه سائر الأعلام فمشوا في استدلالاتهم على ما يقرب استدلال الشيخ (رحمه الله) و منهم المحقّق النائيني (رحمه الله)، غاية الأمر أنّه قسّم الاصول على ثلاثة أقسام: أصالة الحلّية، و الاصول التنزيليّة، و الاصول غير التنزيلية، و أنكر جريان جميعها للزوم التناقض بين حكم العقل بلزوم الاجتناب عن جميع الأطراف (مقدّمة للاجتناب عن الحرام المنجّز الموجود في البين) و بين الترخيص في جميع الأطراف [١].
و كذلك المحقّق العراقي (رحمه الله) فقال: «لا إشكال في أنّه لا قصور في منجّزية العلم الإجمالي لما تعلّق به من التكليف و إنّه بنظر العقل بالإضافة إلى ما تعلّق به كالعلم التفصيلي في حكمه بوجوب الامتثال، إذ لا فرق بينهما إلّا من حيث إجمال المتعلّق و تفصيله و هو غير فارق في المقام بعد كون مناط التحميل بنظر العقل إحراز طبيعة أمر المولى بلا دخل خصوصيّة فيه ...
بل التحقيق إنّ حكمه بالاشتغال و وجوب الامتثال يكون على نحو التنجيز بحيث يأبى عن الردع عنه بالترخيص على خلاف معلومه في تمام الأطراف كإبائه عنه في العلم التفصيلي لكون ذلك بنظره ترخيصاً من المولى في معصيته و ترك طاعته و مثله لا يصدّقه وجدان العقل بعد تصديقه خلافه» [٢].
و قال شيخنا العلّامة الحائري (رحمه الله): «لنا إنّ المقتضي للامتثال و هو العلم بخطاب المولى موجود بالفرض و الشكّ في تعيين المكلّف به ليس بمانع عند العقل و هل تجوز المخالفة القطعيّة للتكليف المقطوع مع تمكّن المكلّف من الامتثال بمجرّد الشكّ في التعيين حاشاه من ذلك فإنّ
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ١٠- ٢٤، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] نهاية الأفكار: القسم الثاني من الجزء الثالث، ص ٣٠٥- ٣٠٦.