أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٩ - التنبيه الرابع عشر استصحاب حكم المخصّص
التنبيه الرابع عشر: استصحاب حكم المخصّص
إذا خصّص العام و خرج منه بعض الأفراد في بعض الأزمنة و لم يكن لدليل الخاصّ اطلاق أزماني إمّا لكونه لبّياً كالإجماع، أو لكونه لفظيّاً لا اطلاق له، و تردّد الزمان الخارج بين الأقل و الأكثر، فهل يرجع عند الشكّ أي بعد انقضاء الزمان الأقل إلى عموم العام أو إلى استصحاب حكم المخصّص؟ فإذا قال مثلًا أكرم كلّ عالم و قام الإجماع على حرمة إكرام زيد العالم في يوم الجمعة، و وقع الشكّ في حرمة إكرامه يوم السبت فهل يرجع في يوم السبت إلى عموم العام من وجوب الإكرام، أو إلى استصحاب حكم الخاصّ من حرمة الإكرام؟
و مثاله الشرعي اوفوا بالعقود، فإنّه لا شكّ في أنّ له عموماً افرادياً لأنّ «العقود» جمع معرّف باللام، و هو من صيغ العموم، فإذا جاء دليل خيار الغبن و إخراج المعاملة الغبنية مثلًا عن تحت هذا العموم و علمنا بخروجها عن تحت هذا العام في الآن الأوّل من الالتفات إلى الغبن و الضرر، و شككنا في خروجها في الأزمنة المتأخّرة عن الآن الأوّل فهل المرجع هو عموم العام و الحكم باللزوم في سائر الأزمنة حتّى يكون الخيار فوريّاً، أو استصحاب حكم المخصّص حتّى يكون الخيار على التراخي؟ (و لا يخفى أنّ هذا النزاع جارٍ بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة).
و هو ممّا لم يعنون بوضوح في كلمات قدماء الأصحاب، و لعلّ أوّل من عنونه تفصيلًا هو الشيخ الأعظم في رسائله، فإنّه فصّل فيه بين ما إذا كان للعام عموم أزماني كعمومه الإفرادي فيرجع إلى عموم العام، و بين ما إذا لم يكن له عموم كذلك و إن كان الحكم فيه للاستمرار و الدوام إمّا بالنصوصيّة أو بالإطلاق فيرجع إلى استصحاب حكم المخصّص.
قد يقال في مقام توضيح هذا التفصيل: أنّه إذا كان العام بحسب عمومه الأزماني أيضاً انحلالياً مثل عمومه الافرادي بمعنى كون كلّ قطعة من الزمان موضوعاً مستقلًا لحكم العام بحيث لا يكون امتثال الحكم أو عصيانه في تلك القطعة مربوطاً بالامتثال و العصيان في سائر القطعات، بل يكون لكلّ قطعة امتثاله و عصيانه، ففي هذه الصورة خروج قطعة من الزمان عن تحت العموم الأزماني لا يضرّ بوجود أصالة العموم بالنسبة إلى القطعات الاخر، إذ حال أصالة العموم بناءً على هذا بالنسبة إلى الأزمان حال أصالة العموم بالنسبة إلى الافراد، و أمّا إذا لم يكن كذلك، أي لم تكن كلّ قطعة من الزمان موضوعاً مستقلًا بل كان مجموع القطعات