أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٢ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
و لا يخفى أنّ نتيجة هذا القول حكومة قاعدة لا ضرر على قاعدة السلطنة فقط كما صرّح به.
أقول: يستدعي التحقيق في المسألة و بيان المختار فيها و نقد الأقوال المزبورة البحث في أمرين آخرين:
أحدهما: في كون كلمة «لا» الواردة في الحديث ناهية أو نافية؟
ثانيهما: في فاعل الضرر و أنّه هل هو الناس أو اللَّه سبحانه؟
أمّا الأمر الأوّل فاستدلّ شيخ الشريعة (رحمه الله) لكون «لا» ناهية بأُمور:
الأوّل: الاطّراد و شيوع هذا المعنى في هذا التركيب، أعني تركيب «لا» (التي وضعت لنفي الجنس أصالة) في الاستعمالات العرفيّة.
الثاني: كلمات أئمّة اللغة و مهرة أهل اللسان فادّعى أنّهم متّفقون على إرادة النهي في قوله ٦ «لا ضرر و لا ضرار» فنقل في هذا المجال عبارات جماعة منهم.
الثالث: موارد استعمال مثل هذا التركيب في الكتاب و السنّة، نظير قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» و قوله تعالى: «فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ» أي لا يمسّ بعض بعضاً فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش و السباع، لا يمسّ أحداً و لا يمسّه أحد، عاقبه اللَّه تعالى بذلك، و كان إذا لقى أحداً يقول: لا مساس، أي لا تقربني و لا تمسّني، و في السنّة نظير قوله ٦: «لا جلب و لا جنب و لا شغار في الإسلام» و قوله: «لا جلب و لا جنب و لا اعتراض» و قوله: «لا إخصاء في الإسلام» و قوله: «لا غشّ بين المسلمين» و قوله:
«لا هجر بين المسلمين فوق ثلاثة أيّام» ثمّ قال: «و لو ذهبنا لنستقصي ما وقع من نظائرها في الروايات و استعمالات الفصحاء نظماً و نثراً لطال المقال و أدّى الملال» ثمّ أيّد قوله بما جاء في قضيّة سمرة من قوله ٦: «إنّك رجل مضارّ» قبل قوله «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» حيث إنّهما بمنزلة صغرى و كبرى، و يصير معناه: إنّك رجل مضارّ و المضارّة حرام (أي منهية) و هو المناسب لتلك الصغرى، لكن لو اريد غيره ممّا يقولون صار معناه: إنّك رجل مضارّ و الحكم الموجب للضرر منفي أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر، و لا أظنّ بالأذهان المستقيمة ارتضائه».