أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٣ - الأمر السادس الفرق بين التعارض و التزاحم
فيه بيد المولى، فهو خارج عن محلّ الكلام، و إنّما المراد من التزاحم في ما نحن فيه هو تزاحم الأحكام في مقام الامتثال بأن توجّه إلى المكلّف تكليفان لا يقدر على الجمع بينهما، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في الأرض المغصوبة، أو كان هناك غريقان لا يقدر المكلّف إلّا على إنقاذ أحدهما.
و الفرق بين هذا النوع من التزاحم و بين التعارض يتلخّص في أمرين:
١- علم المكلّف بكذب أحد الدليلين في باب التعارض مع علمه بصدقهما في باب التزاحم.
٢- التعارض إنّما هو بين الدليلين و في مقام الإثبات، أي مقام الدلالة و الكشف عن الواقع، و بتعبير آخر: التعارض إنّما هو بين محتواهما في مقام الإثبات، فيكون أحدهما صادقاً في كشفه و الآخر كاذباً.
و أمّا التزاحم فيقع بين الحكمين المدلولين الواقعيين من ناحية الامتثال بعد الفراغ عن تمامية دليلهما و صدق كليهما، و لذلك يكون المرجّحات في التعارض بما يرجع إلى الدلالة و السند و شبههما، و في التزاحم بأقوائية الملاك و أهميّة أحد الحكمين بالنسبة إلى الحكم الآخر.
نعم، قد يكون التزاحم سبباً للتعارض، و هو فيما إذا كان كلّ واحد من المتزاحمين ظاهراً في الفعليّة، فيقع التعارض حينئذٍ بين مدلوليهما للعلم بكذب أحدهما كما لا يخفى.
و قد ظهر بما ذكرنا أوّلًا: أنّ الترجيح أو التخيير في باب التزاحم عقلي، لأنّ العقل يحكم بترجيح أقوى الملاكين على الآخر، ويحكم بالتخيير في المتساويين من ناحية الملاك، بخلاف باب التعارض حيث إنّ العقل يقضي بالتساقط فيه، و يكون الحكم بالتخيير أو بترجيح ما وافق كتاب اللَّه و طرح ما خالفه مثلًا، شرعياً و تعبّدياً، نعم لو صارت المرجّحات موجبة لتمييز الحجّة عن اللّاحجّة فيحكم العقل حينئذٍ بترجيح الحجّة فيكون الترجيح عقلياً، و لكنّه خارج عن باب التعارض لأنّه عبارة عن التنافي بين الحجّتين.
و ثانياً: أنّ الحكم الأوّلي و مقتضى الأصل و القاعدة الأوّليّة في باب التعارض هو التساقط إلّا أن يدلّ دليل شرعي تعبّدي على الترجيح أو التخيير.