أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٧ - الجهة الاولى في الأجزاء
لكن الإنصاف فيه أيضاً أنّ المصلحة في المنشأ لا في الإنشاء، فإنّ اللون الخاصّ مثلًا و إن لم يكن ذا مصلحة بعنوان الأوّلي (لعدم كونه قيداً في المأمور به في ابتداء الأمر) لكنّه صار ذا مصلحة بعنوان ثانوي و هو سدّ باب الأعذار الواهية و اللجاج من المكلّفين في مقابل الأوامر الإلهيّة.
ثالثها: بعض الأوامر الواردة في مقام التقيّة، حيث إنّ الإمام ٧ ينشأ الوجوب في ذلك المقام، مع أنّه لا وجوب في الواقع و لا مصلحة في الفعل المتعلّق للأمر الذي صدر تقيّة، و إنّما المصلحة في نفس الإنشاء.
و الصحيح خروج هذا القسم عن محلّ البحث أيضاً، لأنّ محلّه هو الأوامر الجدّية، أي البحث في المقام في أنّه هل يوجد في الشريعة قانون جدّي كانت المصلحة فيه في نفس الإنشاء، أو لا؟ و الأوامر الصادرة تقيّة ليست جدّية، و لذا يقال: إنّ أصالة الجدّ فيها ساقطة.
هذا كلّه في البراءة العقليّة.
و أمّا البراءة النقلية فالمحقّق الخراساني (رحمه الله) تبعاً للمشهور ذهب إلى جريانها، لأنّ عموم حديث الرفع قاضٍ برفع جزئية ما شكّ في جزئيّته، و يعيّن الواجب في الأقلّ.
ثمّ يستشكل على نفسه بما حاصله: أنّ البراءة تجري فيما تناله يد الوضع و الرفع التشريعيين، و جزئيّة السورة المجهولة مثلًا ليست بمجعولة شرعاً، لأنّها ليست أثراً شرعيّاً (كحرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال) و مما يترتّب عليها أثر شرعي (كالشكّ في الالتزام النفساني المجرّد عن اللفظ في باب النذر الذي يكون سبباً لوجوب الوفاء شرعاً).
و يجيب عنه: بأنّ الجزئيّة و إن لم تكن مجعولة لكونها أمراً انتزاعياً، إلّا أنّ منشأ انتزاعها و هو الأمر مجعول شرعي، و هذا كافٍ في صحّة جريان البراءة فيها.
ثمّ استشكل ثانياً: بأنّه بعد جريان البراءة في الأمر بالأكثر (الذي هو منشأ انتزاع الجزئيّة) لا يبقى أمر يتعلّق بالأقل لأنّ متعلّق الأمر هو الكلّ لا الجزء، و حينئذٍ لا وجه لجريان البراءة و تعيّن الواجب في الأقل.
و أجاب عنه أيضاً: بأنّ الأمر بالأقلّ يثبت بالجمع بين أدلّة الاجزاء و أدلّة البراءة الشرعيّة، حيث إنّ وجوب الأقل معلوم بنفس أدلّة الاجزاء، و وجوب الأكثر منفي بالبراءة