أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٧ - التنبيه العشرون النسبة بين الاستصحاب و القواعد الجارية في الشبهات الموضوعيّة
قلنا: أوّلًا: لا تصل النوبة إلى استصحاب الاشتغال مع جريان قاعدة الاشتغال (الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة) في جميع موارد الشكّ في براءة الذمّة، كما قرّر في محلّه، و لا يخفى الفرق بينهما، فإنّ قاعدة الاشتغال ليست محدودة بموارد سبق الحالة السابقة للاشتغال.
و ثانياً: أنّ استصحاب عدم إتيان الركوع الزائد حاكم على استصحاب الاشتغال، لكونه سبباً و استصحاب الاشتغال مسبّبياً، فالشكّ في بقاء الاشتغال ينشأ من الشكّ في إتيانه بالركوع الزائد و عدمه، فإذا ارتفع هو باستصحاب عدمه ارتفع الشكّ في بقاء الاشتغال أيضاً.
فظهر ممّا ذكر أنّ الوجه في تقديم القواعد على الاستصحاب قلّة موارد الافتراق فتقدّم عليه من باب تقديم الخاصّ على العام.
أقول: و الصحيح في منهج البحث في المقام تعيين كون هذه القواعد من الأمارات أو الاصول أوّلًا، حيث إنّها إذا كانت من الأمارات كان وجه تقديمها على الاستصحاب نفس وجه تقديم سائر الأمارات عليه، و هو كون أدلّتها واردة على أدلّة الاستصحاب أو حاكمة عليها ببيان مرّ تفصيله، و لا إشكال في أمارية هذه القواعد فتكون واردة على الاستصحاب، و لا أقلّ من كونها حاكمة عليها كما هو مقتضى بعض أدلّتها كقوله ٧ في مورد قاعدة التجاوز:
«بلى قد ركعت» [١] أي أنّك على يقين من إتيان الركوع فلا تعتن بشكّك و امض.
هذا كلّه في بيان النسبة بين الاستصحاب و القواعد الخمسة غير القرعة.
و أمّا القرعة فحاصل ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في وجه تقديم الاستصحاب عليها و بيان النسبة بينهما وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنّ دليل الاستصحاب أخصّ من دليل القرعة لأنّ الاستصحاب ممّا يعتبر فيه سبق الحالة السابقة دون القرعة.
إن قلت: إنّ النسبة بين الاستصحاب و القرعة هى العموم من وجه لا العموم المطلق، فكما أنّ الاستصحاب أخصّ من القرعة لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه فكذلك القرعة تكون أخصّ من الاستصحاب لاختصاصها بالشبهات الموضوعيّة بالإجماع بل بالضرورة.
[١] وسائل الشيعة: الباب ١٣، من أبواب الركوع، ح ٣.