أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
المشكوك، أو المرفوع هو الموضوع الخارجي، أي نفس الخمر في المثال، أو الحكم، أي الحرمة؟
و لا بدّ للجواب عن هذا السؤال من ملاحظة التعبيرات الواردة في الآيات و الروايات بالنسبة إلى صيغة الوضع، حيث إنّها تقابل الرفع و تضادّه، و الأشياء تعرف بأضدادها، فإذا عرفنا ما هو الموضوع في التكاليف الشرعيّة في الكتاب و السنّة عرفنا المرفوع فيها بالتبع.
و بعبارة اخرى: ما هو الثقل و الكلفة التي يشتقّ منها كلمة التكليف، و من أين يجيء و يوضع على عهدة المكلّف حتّى يكون هو المرفوع؟
فنقول في الجواب: إنّ الموضوع و المحمول على المكلّف في لسان الآيات إنّما هو الفعل كالرزق (بمعناه المصدري) و الكسوة الموضوعين على عهدة الأب في قوله تعالى: «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [١]، فالموضوع في هذه الآية فعل الرزق و فعل الكسوة كما هو واضح، و كالفدية في قوله تعالى: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» [٢]، و الصيام في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و حجّ البيت في قوله تعالى: «وَ للَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».
و هكذا في الروايات كقوله ٧: «عليك القضاء» أو «عليك الإعادة» أو «عليك الحجّ من قابل» فالموضوع على عهدة المكلّف إنّما هو القضاء أو فعل الإعادة أو الحجّ، فكأنّ للأفعال ثقلًا في عالم التشريع يضعه الشارع على عاتق المكلّفين، نعم إنّه كناية عن الإيجاب، و هى غير تقرير الوجوب، و لا يلزم فيها مجاز، بل يستعمل كلّ لفظ في معناه الموضوع له، ففي قولك:
«زيد كثير الرماد» استعمل كلّ واحد من «زيد» و «كثير الرماد» في معناه الموضوع له و إن لم يكن المستعمل فيه مراداً جدّياً للمتكلّم، فوضع فعل كالصيام و الحجّ و الإعادة و القضاء على عاتق المكلّف كناية عن وجوبه.
فإذا كان متعلّق الوضع هو الفعل فليكن متعلّق الرفع أيضاً كذلك، ففي قوله ٦: «رفع ما لا يعلمون» إنّما رفع الفعل المجهول كما أنّ المرفوع في «ما اضطرّوا إليه» و «ما استكرهوا عليه» هو الفعل الاضطراري أو الإكراهي الذي كان يثقل على عاتق المكلّف لو لا حديث الرفع، لا أن يكون المرفوع هو الحكم حتّى نحتاج إلى تقدير.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٣٣.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٨٤.