أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١١ - الفصل الثالث في انقلاب النسبة
فإنّ ذيل كلامه هذا شاهد على أنّ نظره في تقديم العام على الخاصّ مختصّ بموارد وجود قرينة خارجيّة على تجوّز الخاصّ كما إذا قامت قرينة خارجيّة على حمل الخاصّ على الاستحباب، و لا إشكال في وجوب تقديم العام و عدم جواز تخصيصه بالخاصّ حينئذٍ.
الفصل الثالث: في انقلاب النسبة
كلّ ما مرّ من أبحاث التعارض كانت فيما إذا كان التعارض بين دليلين، و أمّا إذا كان بين الزائد عليهما فهو على قسمين:
تارةً لا يوجب تقديم إحدى الخصوصيات انقلاب النسبة بين العام و الخاصّ الآخر، كما إذا قال: «أكرم العلماء» ثمّ قال: «لا تكرم النحويين» و قال أيضاً: «لا تكرم الصرفيين».
و اخرى يوجب تقديم إحداها انقلاب النسبة، كما إذا قال: «لا تكرم الفسّاق منهم» و قال أيضاً: «لا تكرم النحويين» حيث إنّ تقديم التخصيص بالأوّل يوجب انقلاب النسبة بين «أكرم العلماء» و «لا تكرم النحويين» من العموم المطلق إلى العموم من وجه، فإنّ النسبة بين العلماء العدول و النحويين هى العموم من وجه كما لا يخفى.
و البحث هاهنا في انقلاب النسبة السابقة على التخصيص بإحدى الخصوصيّات إلى النسبة اللاحقة به و عدمه، و المحكي عن المحقّق النراقي أنّه ذهب إلى الانقلاب و قال بلزوم ملاحظة النسبة اللاحقة.
و الصحيح أنّ النزاع إنّما يتصوّر فيما إذا كان الخاصّان منفصلين، و أمّا إذا كان أحدهما متّصلًا فلا إشكال في انقلاب النسبة، أي لزوم ملاحظة النسبة بين العام المخصّص بالمتّصل و الخاصّ الآخر المنفصل، و الظاهر أنّ نظر المحقّق النراقي (رحمه الله) أيضاً إلى هذا القسم، إذ إنّ مفروض كلامه (على ما حكي عنه في كلمات الشيخ الأعظم (رحمه الله) هو ما إذا كان أحد الخاصّين لبّياً كالإجماع و نحوه الذي هو بمنزلة المخصّص المتّصل.
و كيف كان، فهل تنقلب النسبة فيكون اللازم ملاحظة تاريخ الخاصّين و تخصيص العام أوّلًا بما هو الأقرب زماناً ثمّ بالأبعد، أو لا ينقلب فلا حاجة إلى ملاحظة تاريخهما؟ و لا بدّ في الجواب من الإشارة إلى أمرين: