أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٦ - التنبيه الثاني خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
العناوين العامّة من دون أن يقيّد بقيد أصلًا، فلو اريد من الانحلال رجوع كلّ خطاب عام إلى خطابات بعدد المكلّفين حتّى يكون كلّ مكلّف مخصوصاً بخطاب خاصّ به و تكليف مستقلّ متوجّه إليه فهو ضروري البطلان فإنّ قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» خطاب واحد لعموم المؤمنين، أي الخطاب واحد و المخاطب كثير، كما أنّ الإخبار «بأنّ كلّ نار حارة» إخبار واحد و المخبر عنه كثير، فلو قال أحد: «كلّ نار بارد» فلم يكذب إلّا كذبة واحدة لا أكاذيب متعدّدة حسب أفراد النار، فلو قال: «و لا تقربوا الزنا» فهو خطاب واحد متوجّه إلى كلّ مكلّف، و يكون الزنا تمام الموضوع للحرمة، و المكلّف تمام الموضوع لتوجّه الخطاب إليه، و هذا الخطاب الوحداني يكون حجّة على كلّ مكلّف من غير إنشاء تكاليف مستقلّة أو توجّه خطابات عديدة، لست أقول: إنّ المنشأ تكليف واحد لمجموع المكلّفين فإنّه ضروري الفساد، بل أقول: إنّ الخطاب واحد و الإنشاء واحد و المنشأ هو حرمة الزنا على كلّ مكلّف من غير توجّه خطاب خاصّ أو تكليف خاصّ مستقلّ إلى كلّ واحد، و لا إشكال في عدم استهجان الخطاب العمومي.
ثمّ رتّب على القول بالانحلال توالي فاسدة:
منها: عدم صحّة خطاب العصاة من المسلمين لأنّ خطاب من لا ينبعث به قبيح أو غير ممكن.
و منها: عدم صحّة تكليف الكفّار بالاصول و الفروع بنفس الملاك.
و منها: قبح تكليف صاحب المروّة بستر العورة مثلًا فإنّ الدواعي مصروفة عن كشف العورة فلا يصحّ الخطاب.
و منها: أنّه يلزم على الانحلال و كون الخطاب شخصياً عدم وجوب الاحتياط عند الشكّ في القدرة لكونه شكّاً في تحقّق ما هو جزء للموضوع، و هو خلاف السيرة الموجودة بين الفقهاء من لزوم الاحتياط عند الشّك في القدرة.
و منها: لزوم الالتزام بأنّ الخطابات و الأحكام الوضعيّة مختصّة بما هو محلّ الابتلاء لأنّ جعل الحكم الوضعي إن كان تبعاً للتكليف فواضح، و مع عدم التبعية و الاستقلال بالجعل فالجعل إنّما هو بلحاظ الآثار، و مع الخروج عن محلّ الابتلاء لا يترتّب عليها آثار فلا بدّ من الالتزام بأنّ النجاسة و الحلّية و غيرهما من الوضعيّات من الامور النسبيّة بلحاظ المكلّفين،